4.71
لا يقال لك: خذ حذرك إلا إذا كان هناك عدو يتربص بك فكلمة " خذ حذرك " هذه دليل على أن هذا الحذر مثل السلاح، مثلما يقولون: خذ بندقيتك خذ سيفك، خذ عصاك، فكأن هذه آلة تستعد بها في مواجهة خصومك وتحتاط لمكائدهم، ولا تنتظر إلى أن تغير عليك المكائد، بل عليك أن تجهز نفسك قبل ذلك على احتمال أن توجد غفلة منك، هذا هو معنى أخذ الحذر، ولذلك يقول الحق:
وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم..
[الأنفال: 60]. وهذا يعني: إياك أن تنتظر حتى يترجموا عداءهم لك إلى عدوان لأنهم سيعجلونك فلا توجد عندك فرصة زمنية كي تواجههم. فلا بد لكم أيها المؤمنون من أخذ الحذر لأن لكم أعداء، وهؤلاء الأعداء هم الذين لا يحبون لمنهج السماء أن يسيطر على الأرض. فحين يسيطر منهج السماء على الأرض فلن يوجد أمام أهواء الناس فرصة للتلاعب بأقدار الناس. ومن ينتفعون بسيطرتهم وبأهوائهم على البشر فلن يجدوا لهم فرصة سيادة. ﴿ فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ﴾ [النساء: 71] أي لتكن النفرة منكم على مقدار ما لديكم من الحذر، و ﴿ ثبات.. ﴾ [النساء: 71] جمع ثبة وهي الطائفة أي انفروا سرية بعد سرية و ﴿ جميعا ﴾ [النساء: 71] أي اخرجوا كلكم لمواجهة العدو، وعلى ذلك يجب أن نكون على مستوى ما يهيج من الشر. فإن هاجمتنا فصيلة أو سرية، نفعل كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان يرسل سرية على قدر المسألة التي تهددنا، وإن كان الأمر أكبر من ذلك ويحتاج لتعبئة عامة فنحن ننفر جميعا، ولاحظوا أن الحق يخاطب المؤمنين ويعلم أن لهم أغيارا قد تأتي في نفوسهم مع كونهم مؤمنين. فقد تخور النفس عند مواجهة الواقع على الرغم من وجود الإيمان. ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى في سورة البقرة:
ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله..
[البقرة: 246]. لقد كانوا هم الذين يطلبون القتال، وما داموا هم الذين قد طلبوا القتال فلا بد أن يفرحوا حين يأتي لهم الأمر من الله بذلك القتال لكن الله أعلم بعباده لذلك قال لهم:
هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا..
[البقرة: 246]. فأوضح لهم الحق أن فكروا جيدا في أنكم طلبتم القتال وإياكم ألا تقاتلوا عندما نكتب عليكم هذا القتال لأنني لم أفرضه ابتداء، ولكنكم أنتم الذين طلبتم، ولأن الكلام ما زال نظريا فقد قالوا متسائلين:
وما لنآ ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنآئنا..
[البقرة: 246]. لقد تعجبوا واستنكروا ألا يقاتلوا في سبيل الله، خصوصا أنهم يملكون السبب الذي يستوجب القتال وهو الإخراج من الديار وترك الأبناء، لكن ماذا حدث عندما كتب الحق عليهم القتال؟:
تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين
[البقرة: 246]. لقد هربت الكثرة من القتال وبقيت القلة المؤمنة. وكانت مقدمات هؤلاء المتهربين من القتال هي قولهم ردا على نبيهم عندما أخبرهم أن الله قد بعث لكم طالوت ملكا فقالوا:
أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال..
[البقرة: 247]. كانت تلك أول ذبذبة في استقبال الحكم، فأوضح لهم الحق السر في اصطفاء طالوت، فهو قوي والحرب تحتاج إلى قوة، وهو عالم، والحرب تحتاج إلى تخطيط دقيق فقال سبحانه:
إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم..
[البقرة: 247]. وعندما جاءوا للقتال أراد الحق أن يمحصهم ليختبر القوي من الضعيف فقال لهم طالوت:
إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده..
[البقرة: 249]. والتمحيص هنا ليعرف من منهم يقدر على نفسه وليختبر قوة التحمل عند كل فرد مقاتل، فليس مسموحا بالشرب من ذلك النهر إلا غرفة يد، فشربوا من النهر إلا قليلا منهم، هكذا أراد الحق أن يصفيهم تصفية جديدة، وعندما رأوا جيش جالوت