تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4.34

﴿ الرجال قوامون على النسآء.. ﴾ [النساء: 34]، أول ما نلتفت إليه أن بعضهم لم يفسروا الآية إلا على الرجل وزوجته على الرغم من أن الآية تكلمت عن مطلق رجال ومطلق نساء، فليست الآية مقصورة على الرجل وزوجه، فالأب قوام على البنات، والأخ على أخواته. ولنفهم أولا ﴿ الرجال قوامون على النسآء.. ﴾ [النساء: 34] وماذا تعني؟ وننظر أهذه تعطي النساء التفوق والمركز أم تعطيهن التعب. والحق سبحانه وتعالى يطلب منا أن نحترم قضية كونية، فهو الخالق الذي أحسن كل شيء خلقه وأوضح القضية الإيمانية ﴿ الرجال قوامون على النسآء ﴾ [النساء: 34] والذي يخالف فيها عليه أن يوضح - إن وجد - ما يؤدي إلى المخالفة، والمرأة التي تخاف من هذه الآية، نجد أنها لو لم ترزق بولد ذكر لغضبت، وإذا سألناها: لماذا إذن؟ تقول: أريد ابنا ليحمينا. كيف وأنت تعارضين هذا الأمر؟ ولنفهم ما معنى " قوام " ، القوام هو المبالغ في القيام. وجاء الحق هنا بالقيام الذي فيه تعب، وعندما تقول: فلان يقوم على القوم أي لا يرتاح أبدا. إذن فلماذا تأخذ ﴿ قوامون على النسآء.. ﴾ [النساء: 34] على أنه كتم أنفاس؟ لماذا لا تأخذها على أنه سعي في مصالحهن؟ فالرجل مكلف بمهمة القيام على النساء، أي أن يقوم بأداء ما يصلح الأمر. ونجد أن الحق جاء بكلمة " الرجال " على عمومها، وكلمة " النساء " على عمومها، وشيء واحد تكلم فيه بعد ذلك في قوله: ﴿ بما فضل الله بعضهم على بعض.. ﴾ [النساء: 34] فما وجه التفضيل؟ إن وجه التفضيل أن الرجل له الكدح وله الضرب في الأرض وله السعي على المعاش، وذلك حتى يكفل للمرأة سبل الحياة اللائقة عندما يقوم برعايتها. وفي قصة آدم عليه السلام لنا المثل، حين حذر الحق سبحانه آدم وزوجته من الشيطان، إبليس الذي دعي إلى السجود مع الملائكة لآدم فأبى، وبذلك عرفنا العداوة المسبقة من إبليس لآدم، وحيثيتها:

قال أأسجد لمن خلقت طينا

[الإسراء: 61]. وأوضح الحق لآدم: إذا هبطت إلى الأرض فاذكر هذه العداوة. وأعلم أنه لن يتركك، وسيظل يغويك ويغريك لأنه لا يريد أن يكون عاصيا بمفرده، بل يريد أن يضم إليه آخرين من الجنس الذي أبى أن يسجد هو لأبيهم آدم يريد أن يغويهم، كما حاول إغواء آدم:

إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة..

[طه: 117]. وهل قال الحق بعدها: فتشقيا أو فتشقى؟ قال سبحانه:

فتشقى

[طه: 117]. فساعة جاء الشقاء في الأرض والكفاح ستر المرأة وكان الخطاب للرجل. وهذا يدل على أن القوامة تحتاج إلى تعب، وإلى جهد، وإلى سعي، وهذه المهمة تكون للرجل.

ونلحظ أنه ساعة التفضيل قال: ﴿ الرجال قوامون على النسآء بما فضل الله بعضهم على بعض.. ﴾ [النساء: 34] لقد جاء ب ﴿ بعضهم.. ﴾ [النساء: 34] لأنه ساعة فضل الرجل لأنه قوام فضل المرأة أيضا لشيء آخر وهو كونها السكن حين يستريح عندها الرجل وتقوم بمهمتها. ثم تأتي حيثية القوامة: ﴿ وبمآ أنفقوا من أموالهم.. ﴾ [النساء: 34]. والمال يأتي نتيجة الحركة ونتيجة التعب، فالذي يتعب نقول له: أنت قوام، إذن فالمرأة يجب أن تفرح بذلك لأنه سبحانه أعطى المشقة وأعطى التعب للجنس المؤهل لذلك. ولكن مهمتها وإن كانت مهمة عظيمة إلا أنها تتناسب والخصلة المطلوبة أولا فيها: الرقة والحنان والعطف والوداعة. فلم يأت بمثل هذا ناحية الرجل لأن الكسب لا يريد هذه الأمور، بل يحتاج إلى القوة والعزم والشدة، فقول الله: ﴿ قوامون.. ﴾ [النساء: 34] يعني مبالغين في القيام على أمور النساء. ويوضح للنساء: لا تذكرن فقط أنها حكاية زوج وزوجة. قدرن أن القيام يكون على أمر البنات والأخوات والأمهات. فلا يصح أن تأخذ " قوام " على أنها السيطرة لأن مهمة القيام جاءت للرجل بمشقة، وهي مهمة صعبة عليه أن يبالغ في القيام على أمر من يتولى شئونهن. ﴿ وبمآ أنفقوا من أموالهم.. ﴾ [النساء: 34] إذا كان الزواج متعة للأنثى وللذكر. والاثنان يستمتعان ويريدان استبقاء النوع في الذرية، فما دامت المتعة مشتركة وطلب الذرية أيضا مشتركا فالتبعات التي تترتب على ذلك لم تقع على كل منهما، ولكنها جاءت على الرجل فقط.. صداقا ونفقة حتى ولو كانت المرأة غنية لا يفرض عليها الشرع حتى أن تقرض زوجها. إذا فقوامة الرجال جاءت للنساء براحة ومنعت عنهن المتاعب. فلماذا تحزن المرأة منها؟ ف ﴿ الرجال قوامون على النسآء.. ﴾ [النساء: 34] أي قائمون إقامة دائمة لأنه لا يقال قوام لمطلق قائم، فالقائم يؤدي مهمة لمرة واحدة، لكن " قوام " تعني أنه مستمر في القوامة. ﴿ الرجال قوامون على النسآء بما فضل الله بعضهم على بعض وبمآ أنفقوا من أموالهم.. ﴾ [النساء: 34] وما دمنا نكدح ونتعب للمرأة فلابد أن تكون للمرأة مهمة توازن ذلك وهي أن تكون سكنا له، وهذه فيها تفضيل أيضا. لقد قدم الحق سبحانه وتعالى في صدر الآية مقدمة بحكم يجب أن يلتزم به لأنه حكم الخالق الذي أحسن كل شيء خلقه، فأوضح القضية الإيمانية: ﴿ الرجال قوامون على النسآء.. ﴾ [النساء: 34] ثم جاء بالحيثيات فقال: ﴿ بما فضل الله بعضهم على بعض وبمآ أنفقوا من أموالهم.. ﴾ [النساء: 34] ويتابع الحق: ﴿ فالصالحات قانتات حافظات للغيب.. ﴾ [النساء: 34] والمرأة الصالحة هي المرأة التي استقامت على المنهج الذي وضعه لها من خلقها في نوعها، فما دامت هي صالحة تكون قانتة، والقنوت هو دوام الطاعة لله، ومنه قنوت الفجر الذي نقنته، وندعو ونقف مدة أطول في الصلاة التي فيها قنوت.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٩٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٩٣٩