تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4.136

وقد يقول إنسان ما: كيف يقول الحق في صدر هذه الآية مناديا المؤمنين بالإيمان فقال: أمنوا، وبعد ذلك يطالبهم بأن يؤمنوا؟ ونقول: نرى في بعض الأحيان رجلا يجري كلمة الإيمان على لسانه ويعلم الله أن قلبه غير مصدق لما يقول، فتكون كلمة الإيمان هي حق صحيح، ولكن بالنسبة لمطابقتها لقلبه ليست حقا. وتعرضنا من قبل لقول الحق:

إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون

[المنافقون: 1] لقد شهد المنافقون أن رسول الله مرسل من عند الله، هذه قضية صدق، لكن الله العليم بما في القلوب يكشف أمرهم إلى الرسول فيقول:

والله يشهد إن المنافقين لكاذبون

[المنافقون: 1] لقد وافقت شهادتهم بألسنتهم ما علمه الله. لكن القول منهم يخالف ما في قلوبهم، فشهد الحق إنهم لكاذبون. ويعلم سبحانه كذبهم في شهادتهم لأن المنافق منهم لم يشهد صحيح الشهادة لأن الشهادة الحقة هي أن يواطئ اللسان القلب. وبعض من الأغبياء الذين يحاولون الاستدراك على القرآن قد عميت بصيرتهم عن الإحساس باللغة والفهم لأسرارها لذلك يتخبطون في الفهم. فهم لا يعرفون صفاء التلقي عن الله. وقالوا: إن بالقرآن تضاربا، ولم يعرفوا أن كذب المنافقين لم يكن في مقولة: إن محمدا رسول الله، ولكن في شهادتهم بذلك، وكذبهم الله في قولهم: " نشهد " فقط، فقد أعلنوا الإيمان بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم. وإن أردنا أن نفهم أن الخطاب للمؤمنين عامة، بأن يؤمنوا، فهذا طلب للارتقاء بمزيد من الإيمان، ولنا في قول الحق المثل الواضح في حديثه للنبي قال الحق:

يأيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما

[الأحزاب: 1] الحق هنا يقول للمتقي الأول محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اتق الله " ، أي يأمره بالقيام دائما على التقوى. إذن فمعنى قول الحق: ﴿ يا أيها الذين آمنوا آمنوا ﴾ أن الحق يخاطبكم بلفظ الإيمان. ويريد أن يتصل إيمانكم بعد كلامه الحق مع إيمانكم قبل كلامه، فلا ينقطع ولا ينفصم خيط الإيمان أبدا. بل لا بد من المداومة على الإيمان، وألا يترك مؤمن هذا الشرف. فإن رأى واحد منكم منادى بوصف طلب منه الوصف بعده فليعلم أن المراد هو المداومة. ونعلم أن الحق هنا يخاطب مؤمنين ومنافقين وأهل كتاب لذلك فلا بد أن تشملهم الآية: ﴿ يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله ﴾ لأن الإنسان إن آمن بالله فقط، فهذا يقتضي أن يبحث المؤمن بالله عن مطلوب الله، ومطلوب الله إنما جاء به رسول لذلك فالإيمان بالله يقتضي أن يؤمن الإنسان برسول، لأن قصارى ما يعطيك العقل أيها الإنسان أن تؤمن بأن وراء الكون إلها خلقه ويدبره.

ولكن ما اسم هذا الإله؟ لا يعرف الإنسان ذلك إلا عن طريق الرسول. إن هذه أمور لا تعرف بالعقل ولكن لا بد من الإخبار بها، وكذلك مطلوبات الله، وكذلك جزاء المؤمنين على حسن إيمانهم، ولذلك لا بد من مجيء رسول للبلاغ. إذن فلا بد مع الإيمان بالله أن تؤمن بالرسول. ومادمت أيها المؤمن قد آمنت برسوله فلا بد أن تؤمن بالكتب التي جاءت على لسان الرسول. وهذه الكتب تقول لك: إن هناك خلقا لله لا تراهم وهم الملائكة، والملك يأتي بالوحي وينزل به على الرسول، على الرغم من أنك لم تر الملك فأنت تؤمن بوجوده. إذن فالقمة الإيمانية هي أن تؤمن بالله، ولازمها أن تؤمن برسول الله، وأن تؤمن بكتاب مع الرسول، وأن تؤمن بما يقوله الله عن خلق لا تستطيع أن تدركهم كالملائكة. وهذا الأمر بالإيمان هو مطلوب من أهل الكتاب لأنهم آمنوا برسلهم، ويطلب منهم أن يؤمنوا برسول الله وبما أنزل عليه. ويترك الحق سبحانه وتعالى لخلقه أن يكتشفوا وجودا لكائنات لم تكن معلومة لأنهم حدثوا بأن في الكون كائنات أبلغنا الله بوجودها ولا ندركها وهم الملائكة. - إذن - فالدليل عندهم يحثهم ويدفعهم إلى الكشف والبحث. والمثال على ذلك الميكروب الذي لم تعرفه البشرية إلا في القرن السابع عشر الميلادي، وكان الميكروب موجودا من البداية، لكننا لم نكن ندركه، وبعد أن توصلت البشرية إلى صناعة المجاهر أدركناه وعرفنا خصائصه وفصائله وأنواعه، ومازالت الاكتشافات تسعى إلى معرفة الجديد فيه، هو جديد بالنسبة لنا، لكنه قديم في وجوده. ومعنى ذلك أن الله يوضح لنا: إذا حدثت أيها الإنسان من صادق على أن في الكون خلقا لا تدركه أنت الآن فعليك بالتصديق فقبل اكتشاف الميكروب لو حدث الناس أحد بوجود الميكروب في أثناء ظلام العصور الوسطى لما صدقوا ذلك، على الرغم من أن الميكروب مادة من مادة الإنسان نفسها لكنه صغير الحجم بحيث لا توجد آلة إدراك تدركه. وعندما اخترعنا واكتشفنا الأشياء التي تضاعف صورة الشيء مئات المرات استطعنا رؤيته، فعدم رؤية الشيء لا يعني أنه غير موجود. فإذا ما حدثنا الله عن خلق الملائكة والجن والشيطان الذي يجري في الإنسان مجرى الدم، فهنا يجب أن يصدق ويؤمن الكافر والملحد بذلك، لأنه يصدق أن الميكروب يدخل الجسم دون أن يشعر الإنسان، وبعد ذلك يتفاعل مع الدم ثم تظهر أعراض المرض من بعد ذلك، وقد علم ذلك بعد أن تهيأت أسباب الرؤية والعلم. فإذا كان الله قد خلق أجناسا من غير جنس مادة الإنسان فلنصدق الحق: ﴿ يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ﴾ [النساء: 136] والمعروف أن الكتاب هو القرآن وهو علم عليه، أما الكتاب الذي أنزل من قبل فلنعرف أن المراد به هو جنس الكتاب.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١١٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١١٦٨