تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4.152

ويؤكد الحق هنا على أمر واضح: هو: ﴿ ولم يفرقوا بين أحد منهم ﴾ وكلمة " أحد " في اللغة تطلق مرة ويراد بها المفرد، ومرة يراد بها المفردة، ومرة يراد بها المثنى مذكرا أو المثنى مؤنثا أو جمع الإناث وجمع التذكير. وهكذا تكون " أحد " في هذه الآية تشمل كل الرسل، بدليل قول الحق سبحانه وتعالى:

ينسآء النبي لستن كأحد من النسآء

[الأحزاب: 32] فكلمة أحد يستوي فيها المذكر والمؤنث والمثنى والمفرد والجمع. وكما قال الحق عن الذين يكفرون بالله ورسله أو يفرقون بين الرسل: ﴿ أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا ﴾. يقول الحق في هذه الآية عن الذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم: ﴿ أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما ﴾ فكل مقابل قد جاء معه حكمه. ومن بعد ذلك يقول الحق: ﴿ يسألك أهل الكتاب... ﴾.

4.153

هذا خطأ منهم في السؤال، وكان المفروض أن يكون: يسألك أهل الكتاب أن تسأل الله أن ينزل عليهم كتابا. وقد حاول المشركون في مكة أن يجدوا في القرآن ثغرة فلم يجدوا وهم أمة فصاحة وبلاغة ولسان، واعترفوا بأن القرآن عظيم ولكن الآفة بالنسبة إليهم أنه نزل على محمد صلى الله عليه وسلم:

وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم

[الزخرف: 31] هم اعترفوا بعظمة القرآن، واعترافهم بعظمة القرآن مع غيظهم من نزوله على رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلهم مضطربين فكريا، لقد اعترفوا بعظمة القرآن بعد أن نظروا إليه.. فمرة قالوا: إنه سحر، ومرة قالوا: إنه من تلقين بعض البشر، وقالوا: إنه شعر، وقالوا: إنه من أساطير الأولين. وكل ذلك رهبة أمام عظمة القرآن. ثم أخيرا قالوا: ﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾. ولكن ألم يكن هو القرآن نفسه الذي نزل؟ إذن. فالآفة - عندهم - أنه نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك من الحسد:

أم يحسدون الناس على مآ آتاهم الله من فضله

[النساء: 54] لأن قولهم لا يتسم أبدا بالموضوعية، بل كل كلامهم بعد عن الحق وتخبط. لقد قالوا مرة عن القرآن: إنه سحر، وعندما سألهم الناس: لماذا لم يسحركم القرآن إذن؟ فليس للمسحور إرادة مع الساحر. ولم يجدوا إجابة. وقالوا مرة عن القرآن: إنه شعر، فتعجب منهم القوم لأنهم أمة الشعر، وقد سبق لهم أن علقوا المعلقات على جدار الكعبة، لكنه كلام التخبط. إذن فالمسألة كلها تنحصر في رفضهم الإيمان، فإذا أمسكتهم الحجة من تلابيبهم في شيء، انتقلوا إلى شيء آخر. ويوضح سبحانه: إن كانوا يطلبون كتابا فالكتاب قد نزل، تماما كما نزل كتاب من قبل على موسى. وماداموا قد صدقوا نزول الكتاب على موسى، فلماذا لا يصدقون نزول الكتاب على محمد؟ ولا بد أن هناك معنى خاصا وراء قوله الحق: ﴿ يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السمآء ﴾. ونعلم أن الكتاب نزل على موسى مكتوبا جملة واحدة، وهم كأهل كتاب يطلبون نزول القرآن بالطريقة نفسها، وعندما ندقق في الآية نجدهم يسألون أن ينزل عليهم الكتاب من السماء وكأنهم يريدون أن يعزلوا رسول الله وأن يكون الكلام مباشرة من الله لهم لذلك يقول الحق في موقع آخر:

أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات

[الزخرف: 32] الحق - إذن - قسم الأمور في الحياة الدنيا، فكيف يتدخلون في مسألة الوحي وهو من رحمة الله: ﴿ يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السمآء ﴾. وهم قد نسبوا التنزيل إلى رسول الله، ورسول الله ما قال إني نزلت، بل قال: " أنزل علي ".

ويقال في رواية من الروايات أن كعب بن الأشرف والجماعة الذين كانوا حوله أرادوا أن ينزل الوحي على كل واحد منهم بكتاب، فيقول الوحي لكعب: " يا كعب آمن بمحمد ". وينزل إلى كل واحد كتابا بهذا الشكل الخصوصي. أو أن ينزل الله لهم كتابا مخصوصا مع القرآن. وكيف يطلبون ذلك وعندهم التوراة، ويوضح الله تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم: لا تستكثر منهم يا محمد أن يسألوك كتابا ينزل عليهم لأنهم سألوا موسى أكبر من ذلك، وطلبهم تنزيل الكتاب، هو طلب لفعل من الله، وقد سبق لهم الغلو أكثر من ذلك عندما قالوا لموسى: ﴿ أرنا الله جهرة ﴾. وهم بمثل هذا القول تعدوا من فعل الله إلى ذات الحق سبحانه وتعالى، لذلك لا تستكثر عليهم مسألة طلبهم لنزول كتاب إليهم، فقد سألوا موسى وهو رسولهم رؤية الله جهرة: ﴿ يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السمآء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ﴾. ولحظة أن ترى كلمة " الصاعقة " تفهم أنها شيء يأتي من أعلى، يبدأ بصوت مزعج. وقلنا من قبل أثناء خواطرنا حول آية في سورة البقرة:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١١٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١١٩٨