4.170
فبعد أن وصف لنا - بإيجاز محكم - سلسلة المعارك التي نشأت بين الرسول واليهود مرة، ومرة أخرى بينه وبين المشركين، وها هوذا سبحانه يخاطب الناس جميعا، ليصفي مركز منهج الله في الأرض، فيقول منبها كل الناس: لقد جاءت رسالة محمد عليه الصلاة والسلام تصفية لكل الرسالات التي سبقت، وعلى الناس جميعا أن يميزوا، ليختاروا الحياة الإيمانية الجديدة لأن الرسول قد جاء بالنور والبرهان، البرهان الذي يرجح ما هو عليه صلى الله عليه وسلم على ما هم عليه، والنور الذي يهديهم سواء السبيل. لقد كان الناس قبل رسول الله على ملل وعلى أديان ونحل شتى، فجاء البرهان بأن الإسلام قد جاء ناسخا وخاتما. والبرهان هو تعاليم هذا الدين وأدلته، فلا حجة لأحد أن يتمسك بشيء مما كان عليه. وجاء محمد بالنور الذي يهدي الإنسان إلى سواء السبيل، وهذه تصفية عقدية شاملة، أو كما نقول بالعامية " أوكازيون إيماني " تتخلص به البشرية من كل ما يشوب عقائدها، ولتبدأ مرحلة جديدة. ﴿ يأيها الناس قد جآءكم الرسول بالحق من ربكم ﴾ والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير مهما تغيرت عليه الظروف لأن الحق صدق له لون واحد، فإذا ما رأيتم جميعا حادثة واحدة، ثم جاء كل واحد منكم فأخبر بها إخبار صدق فلن تختلف رواية الحادثة من واحد لآخر. أما إن سولت نفس بعض الناس لهم أن يتزيدوا في الحادثة فكل واحد سيحكي الحادثة على لون مختلف عن بقية الألوان، وقد يسافر خيال أحدهم في شطحة الكذب ويسترسل فيه. إذن فالذي لا يتغير في الحق هو أن يحكوا جميعا الرواية الواحدة بصدق ولو كانوا ملايين الناس، لكن إن سولت نفوس بعضهم الكذب وحسنته له وأغرته به لاختلفت الرواية لأن الكذب مشاع أوهام ولا حقيقة له. والحق سبحانه وتعالى يوضح لنا: لقد جاءكم الرسول بالحق مهما تغيرت الظروف والأحوال، ومهما جئتم إليه من أي لون، سواء في العقديات أو في العباديات أو في الأخلاق أو في السلوك. وستجدون كل شيء ثابتا لأنه الحق. ويضرب الحق سبحانه وتعالى لنا مثلا في هذا الحق:
أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل
[الرعد: 17] كل واد يأخذ ماء على قدر حجمه، وساعة ينزل السيل من الجبال يحمل معه التراب والقش والأشياء التي لا لزوم لها، وهو ما نسميه " الريم " وهو الزبد الرابي. وكذلك الحديد أو النحاس أو الذهب الذي نصنع منه الحلي أو أدوات المتاع، وعندما نضع هذه المعادن في النار، نجد الزبد يفور على سطح هذه المعادن عندما تنصهر، وتسمى هذه الأشياء الخبث.
ويوضح الحق لنا كيف يضرب الحق والباطل.
فأما الزبد فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض
[الرعد: 17] ومهما اختلطت بالحق أشياء فهو كحق يبعد ويطرد هذه الفقاقيع والخبث وينحيها عنه. فإن علا الباطل يوما على الحق فلنعلم أنه علو الزبد الذي يذهب جفاء مرميا به ومطروحا، وسيظل الحق هو الحق. وسبحانه يقول: ﴿ يأيها الناس قد جآءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم ﴾. والإيمان هو اعتناق العقيدة بوجود الإله الأعلى، والبلاغ عنه بواسطة الرسل، وأن للحق ملائكة، وأن هناك بعثا بعد الموت، وحسابا. ويقتضي الإيمان أن نعمل العمل وفق مقتضياته وذلك هو اختيار الخير، ولنعلم جيدا أن الإيمان لا ينفصل عن العمل. وماذا يحدث لو لم يؤمن الناس؟ ها هوذا الحق يقول: ﴿ وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما ﴾ وسبحانه غني، وسيظل كونه الثابت - بنظرية القهر والتسخير - هو كونه، ولن يتغير شيء في الكون بكفر الكافرين، سوى سخط الكون عليهم لأنه مسخر لهم لأن الكون ملك لله، ولن تتغير السماء ولا النجوم ولا القمر ولا المطر ولا أي شيء. ونقول لك: لو نظرت إلى الدنيا لوجدت الفساد فيها ناشئا مما فعلته وأحدثته يد الإنسان على غير منهج الله، أما الشيء الذي لم تدخل فيه يد الإنسان فهو لا يفسد، ولم نر يوما الشمس وقد عصيت عن الشروق أو الغروب، وكذلك القمر لم تختل حركته، وكذلك النجوم في الأفلاك، وتسير الرياح بأمر خالقها، وكل شيء في الكون منتظم الحركة، اللهم إلا الأشياء التي يتدخل فيها الإنسان، فإذا كان قد دخلها بمواصفات منهج الله فهي منسجمة مع نفسها ومع الكون، وإن دخلها بغير مواصفات منهج الله فلن تستقيم، بل تفسد. ولذلك قال الحق: