تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4.139

وأول مظهر من مظاهر النفاق أن يتخذ المنافق الكافر وليا له يقرب منه ويوده، ويستمد منه النصرة والمعونة، والمؤانسة والمجالسة، ويترك المؤمنين. وعرفنا أن كل فعل من الأفعال البشرية لا بد أن يحدث لغاية تطلب منه، ولا يتجرد الفعل عن الغاية إلا في المجنون الذي يفعل الأفعال بدون أي غاية، لكن العاقل يفعل الفعل لغاية، ولهدف يرجوه. والمنافقون يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين لأي غاية ولأي هدف؟ ويكشف الحق هذه المسألة فيوضح: أنهم يبتغون العزة من الكافرين، ولذلك اتخذوهم أولياء من دون المؤمنين. ويلفتهم - جل شأنه - إلى جهلهم لأنهم أخذوا طريقا يوصلهم إلى ما هو ضد الغاية. فماداموا يبتغون العزة فليعرفوا أولا: ما العزة؟. العزة مأخوذة من معنى مادي وهو الصلابة والشدة. فالأرض العزاز أي الصلبة التي لا ينال منها المعول، ثم نقلت إلى كل شديد، فكل شيء شديد فيه عزة. والمراد بها هنا: الغلبة والنصر، وكل هذه المعاني تتضمنها العزة. فإذا قيل: الله عزيز.. أي أنه سبحانه وتعالى غالب على أمره شديد لا يمكن أن يقدر على محاله أو مكره أو قوته أو عقابه أحد. وإذا قيل: فلان عزيز أي لا يغلب، وإذا قيل: هذا الشيء عزيز أي نادر، ومادام الشيء نادرا فهو نفيس، والمعادن النفيسة كلها أخذت حظها من ندرتها وقلتها. وما دمتم أيها المنافقون تطلبون العزة، ألا تطلبونها ممن عنده؟. أتطلبونها من نظائركم؟. وعندما تطلبون العزة فذلك لأنكم لا تملكون عزة ذاتية، فلو كانت عندكم عزة ذاتية لما طلبتم العزة من عند الكافرين. وهذا دليل على فقدانهم العزة لأنهم طلبوها من مساو لهم من الأغيار، فالمنافقون بشر، والكفار بشر، وبما أن كل البشر أغيار، فمن الممكن أن يكونوا أعزاء اليوم وأذلاء غدا لأن أسباب العزة هي غنى أو قوة أو جاه، وكل هذه من الأغيار. فأنتم أيها المنافقون قد طلبتم العزة ممن لم يزد عليكم، وهو من الأغيار مثلكم، ولم تطلبوها من صاحب العزة الذاتية الأزلية الأبدية وهو الحق سبحانه وتعالى، ولو أردتم العزة الحقيقية التي تغنيكم عن الطلب من الأغيار مثلكم فلتذهبوا إلى مصدر العزة الذي لا تناله الأغيار وهو الحق سبحانه وتعالى. لذلك أوضح لهم الحق: إن أردتم أن تتعلموا طلب العزة فعليكم أن تغيروا من أسلوبكم في طلبها، فأنتم تتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين وتبتغون عندهم العزة وهم من أهل الأغيار، والأغيار تتبدل من يوم إلى يوم، فإن كان الكفار أغنياء اليوم، فغدا لن يكونوا كذلك، ولقد رأيتم كبشر ان الغني يفتقر، ورأيتم قويا قد ضعف، وطلب العزة من الأغيار يعني أنكم غير أعزاء، ومع ذلك فأنتم تطلبون العزة من غير موضعها.

فإن أردتم عزة حقيقية فاطلبوها ممن لا تتغير عزته وهو الحق سبحانه وتعالى: ﴿ فإن العزة لله جميعا ﴾. وفي هذا القول تصويب لطلب العزة. وليطلب كل إنسان العزة إيمانا بالله فسبحانه الذي يهب العزة ولا تتغير عزته: ﴿ فإن العزة لله جميعا ﴾. وكلمة " جميعا " هذه دلت على أن العزة لها أفراد شتى: عزة غني، عزة سلطان، عزة جاه، فإن أراد واحد أن يعرفها ويعلمها فهي - جميعا - في الحق سبحانه وتعالى. والمؤمنون في عبوديتهم لله عبيد لإله واحد وقد أغنانا الله بالعبودبة له عن أن نذل لأناس كثيرين. وسبحانه قد أنقذ المؤمن بالإيمان من أن يذل نفسه لأي مصدر من مصادر القوة، أنقذ الضعيف من أن يذل نفسه لقوي، وأنقذ الفقير من أن يذل نفسه لغني، وأنقذ المريض من أن يذل نفسه لصحيح. إذن ساعة يقول الحق: ﴿ فإن العزة لله جميعا ﴾ فمعناها: إن أردت أيها الإنسان عزا ينتظم ويفوق كل عز فاذهب إلى الله لأنه سبحانه أعزنا فنحن خلقه، وعلى سبيل المثال نجد أن الحق لم يجعل الفقير يقترض، بل قال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١١٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١١٧٤