تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4.40

والظلم: الأصل فيه محبة الانتفاع بجهد غيره، فعندما تظلم واحدا فهذا يعني أنك تأخذ حقه، وحقه ما جاء به بجهده وعرقه، وتأخذه أنت بدون جهد ولا عرق. ويتبع هذا أن يكون الظالم قويا. لكن ماذا عن الذي يظلم إنسانا لحساب إنسان آخر؟ إنه لم ينتفع بظلمه ولكن غيره هو الذي انتفع. وهذا شر من الأول: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله عليه السلام قال:

" بادروا بالأعمال ستكون فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا ".

لأنه ظلم إنسانا لنفع عبد آخر ولم يأخذ هو شيئا لنفسه. إذن فالظلم إما أن يكون الانتفاع بثمرة جهد غيرك من غير كد، وإما أن تنفع شخصا بجهد غيره، والله سبحانه وتعالى إذا نظرنا إليه - وهو قوة القوى - إذا أراد أن يظلم - وحاشا لله أن يظلم - فماذا يكون شكل ظلمه؟ إن الظلم يتناسب مع قوة الظالم، إذن فقوة القوى عندما تظلم فظلمها لا يطاق، ثم لماذا يظلم؟ وماذا يريد أن يأخذ وهو من وهب؟ إنه سبحانه مستغن، ولن يأخذ من هذا ليعطي ذاك، فكلهم بالنسبة له سواء لأنه سبحانه لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، كلهم متساوون، فلماذا يظلم؟ إن الظلم بالنسبة لله محال عقليا ومحال منطقيا،، فلا يمكن لله أن يضيع عمل حسنة ولا أن يضاعف سيئة. فهذه لا تتأتى، وتلك لا تتأتى، والله واهب كل النعم للناس جميعا. وما دام هو من وهب كل النعم، فسبحانه غير منتفع بآثاره في خلقه. إن الحق سبحانه وتعالى ينفي عن نفسه الظلم في قوله:

وما ربك بظلام للعبيد

[فصلت: 46]. فكلمة " ظلام " مثل قولنا: فلان " أكال " وفلان " نوام " وهي تختلف عن قولنا: فلان نائم، يعني نام مرة، ولكن " نوام " فهذا يعني مداومته على النوم كثيرا، أي أنه إما أن يكون مبالغا في الحدث، وإما أن يكون مكررا للحدث، فالمبالغة - كما نعرف - تأتي مرة لأن الحدث واحد لكنه قوي، ومرة يكون الحدث عاديا لكنه مكرر، هذه هي المبالغة، فقوله سبحانه وتعالى:

وما ربك بظلام للعبيد

[فصلت: 46] نفي للمبالغة، وهذا لا يقتضي نفي غير المبالغة. ونقول: الله لو ظلم لكان ظلمه مناسبا قدرته فيكون كبيرا كثيرا، ولو كان ظالما لشمل ظلمه وعم الخلق جميعا فيكون كذلك كبيرا كثيرا ولكن الله - سبحانه - يقول: ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة.. ﴾ [النساء: 40]. وسبحانه يحسب السيئة سيئة واحدة. أما الحسنة فيضاعفها، { إن الله لا يظلم مثقال ذرة.

. } [النساء: 40] " مثقال ": يعني ثقل ووزن، والثقل هو: مقدار جاذبية الأرض للشيء. فعندما يكون وزن الشيء قليلا وتلقيه من أعلى، فهو ينزل ببطء، أما الشيء الثقيل فعندما تلقيه من أعلى فهو ينزل بسرعة لأن قوة الجاذبية له تكون أقوى، والإنسان منا حين ينظر إلى كلمة " مثقال " ويعبر عنها بأنها وزن، فمعيار الميزان هنا " الذرة ". وما " الذرة "؟. قال العلماء فيها: هي رأس النملة الصغيرة التي لا تكاد ترى بالعين المجردة، أو النملة نفسها. هذه مقولة، أو الذرة كما قال ابن عباس حين سئل عنها: أخذ شيئا من تراب الأرض ثم نفخه، فلما نفخ تطاير التراب في الهواء، فقال لهم: كل واحدة من هذه اسمها " ذرة " وهو ما نسميه " الهباء " ، ونحن الآن الموجودين في مكان واحد لا نرى شيئا في الجو، لكن انظر إلى حزمة ضوئية - أي ثقب تدخل منه أشعة الشمس - فساعة ترى ثقبا يدخل أشعة الشمس ترى غبارا كثيرا يسبح. والمهم أنك لا تراه جاريا إلا في شعاع الشمس فقط، فهو كان موجودا ونستنشقه، فما الذي جعلني لا أراه؟. لأنه بلغ من الصغر واللطف مبلغا فوق طوق العين أن تراه، فالذرة واحدة من هذا الغبار، واسمه " الهباء " وواحدة الهباء هي الذرة. إن الحق سبحانه وتعالى يوضح لنا: أن كل شيء موزون إلى أقل درجات الوزن وهو الذرة، وهي الهباء، ونحن لا نراها إلا في نور محجوز، لأننا في النور القوي لا نرى تلك الذرات، بل نراها فقط في نور له مصدر واحد ونافذ، والحق سبحانه وتعالى لا يظلم مثقال ذرة، وهذا تمثيل فقط لأن الذرة يمكن أن تكبر، فالذي يكبر يمكن أن يصغر، وقال الحق ذلك ولم يكن عند الإنسان المقياس الذي يفتت به الذرة، وقد حدث أن استطاع الإنسان ذلك، فبعد الحرب العالمية الأولى صنعت ألمانيا اسطوانات تحطيم الجوهر الفرد، أو الجزء الذي لا يتجزأ كما كان يصفه الفلاسفة قديما، ومعنى جزء لا يتجزأ أي لا يمكن أن يأتي أقل منه، ولم يلتفتوا إلى أن أي شيء له مادة إن كان يقبل التكبير فهو أيضا يقبل التصغير، والمهم أن توجد عند الإنسان الآلة التي تدرك الصغر. ومثال ذلك عندما صعدت الأقمار الصناعية وأخذوا من الجو صورة لمدينة نيويورك خرجت الصورة صغيرة لمدينة نيويورك.. بعد ذلك كبروا الصورة فأخرجوا أرقام السيارات التي كانت تسير!. كيف حدث هذا؟ لقد كانت الصورة الصغيرة تحتوي تفاصيل أكثر دقة لا تراها العين المجردة، وعندما يتم تكبيرها يتضح كل شيء حتى أرقام السيارات وضحت بعد أن كانت غير ظاهرة، وإن كنت موجودا في نيويورك في هذه الساعة أكنت تظهر بها؟ لا يمكن أن تظهر.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٩٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٩٦١