تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4.59

هذه الآية كثر كلامنا فيها، وفي كل مناسبة من المناسبات جاء الكلام عنها، ولكن علينا أيضا أن نعيد بشيء من الإيجاز ما سبق أن قلناه فيها، الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول.. ﴾ [النساء: 59]، ولماذا أطيع الله وأطيع الرسول؟ لأن فيه الحيثيات المقدمة، فأنت عندما ترى حكما من القاضي تجد أن هناك حيثيات الحكم أي التبرير القانوني للعقوبة أو للبراءة فيقول القاضي: بما أنه حدث كذا فقانونه كذا حسب المادة كذا، هذه هي الحيثيات. و " الحيثيات " مأخوذة من: حيث إنه حدث كذا فحكمنا بكذا. أو حيث إنه لم يحدث كذا فحكمنا بكذا، إذن فحيثيات الحكم معناها: التبريرات التي تدل على سند الحكم لمن حكم. هنا يقول سبحانه: ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول.. ﴾ [النساء: 59]. وهل الحق سبحانه وتعالى قال: يا أيها الناس أطيعوا الله وأطيعوا الرسول؟ لا، لم يقل ذلك، لقد قال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا.. ﴾ [النساء: 59]. إذن فما دمت قد آمنت بالله إلها حكيما خالقا عالما مكلفا فاسمع ما يريد أن يقوله لك، فلم يكلف الله مطلق أناس بأن يطيعوه، إنما دعا مطلق الناس أن يؤمنوا به. ومن يؤمن يقول له: أطعني ما دمت قد آمنت بي. إذن فحيثية الطاعة لله وللرسول صلى الله عليه وسلم نشأت من الإيمان بالله وبالرسول. وهذه عدالة كاملة لأنه سبحانه لا يكلف واحدا أن يفعل فعلا إلا إذا كان قد آمن به - سبحانه - مكلفا، آمن به أمرا، أما الذي لا يؤمن به فهو لا يقول له: افعل كذا ولا تفعل كذا، إنه سبحانه يطالبه أن يؤمن به أولا، فإذا ما آمن به يقول له: استمع إلي، ولذلك تجد كل تكليف يصدر بقوله سبحانه: ﴿ يا أيها الذين آمنوا.. ﴾ [النساء: 59]. إن حيثية إطاعة الله وإطاعة الرسول هي: الإيمان به، هذه هي الحيثية الإيمانية الأولى، أما إن جال ذهنك لتدرك سر الطاعة، فهذا موضوع آخر، ولذلك أوضح: إياكم أن تقبلوا على أحكام الله بالبحث فيها أولا فإن اقتنعتم بها أخذتموها وإن لم تقتنعوا بها تركتموها، لا. إن مثل هذا التصرف معناه أنك شككت في الحكم. بل عليك أن تقبل على تنفيذ أحكامه لأنه سبحانه قالها وأنت مؤمن بأنه إله حكيم، لكن هل ذلك يمنع عقلك من أن يجول ليفهم الحكمة؟ نقول لك: أنت قد تفهم بعض الحكمة، ولكن ليست كل الحكمة لأن كمالات حكمة الله لا تتناهى، فقد تعرف جزءا من الحكمة وغيرك يعرف جزءا آخر، ولذلك قالوا: إن الفرق بين أمر البشر للبشر، وأمر الله للمؤمنين به شيء يسير جدا هو: أمر الله للبشر تسبقه العلة وهي أنك آمنت به، أما أمر البشر للبشر فأنت تقول لمن يأمرك: أقنعني لماذا أفعل هذه؟ لأن عقلك ليس أرقى من عقلي.

فأنت لا تصنع شيئا إلا إذا اقتنعت به. وتكون التجارب قد أثبتت لك أصالة رأي من تستمع له وأنه لن يغشك. وهكذا نرى أن طاعتنا لله تختلف عن طاعتنا للمخلوق فنحن نطيع الله لأننا آمنا به وحينما يطلب سبحانه منا أن نطيعه، ننظر هل هذه الطاعة لصالحنا أو لصالحه؟ فإذا وثقنا أنه بكل صفات الكمال الموجودة له خلقنا إذن فسبحانه لا يريد صفة جديدة تكون له لأنه لم يخلقنا إلا بصفات الكمال فيه، وسبحانه قد خلقك دون أن يكون لك حق الخلق عنده، خلقك بقدرته، وأمدك لاستبقاء حياتك بقيوميته، فحين يطلب منك الإله الذي يتصف بتلك الكمالات شيئا فهو يطلبه لصالحك، كما ترى أي إنسان من البشر - ولله المثل الأعلى - يعنى بصنعته ويحب أن تكون صنعته متميزة، فكذلك الحق سبحانه وتعالى يريد أن يباهي بهذا الخلق، ويباهي بهذا الخلق ليس بالإكراه على أن يفعلوا ما يأمر به بالتسخير لا، بل بالمحبوبية لأمر الله وأن نعلن بسلوكنا: نحن نحبك يا ربنا. وإلا فأنت - أيها الإنسان - قد تختار أن تكون عاصيا. وما دمت مخيرا أن تكون عاصيا ثم أطعت، فهذه تثبت لله صفة المحبوبية لأنه - كما نعرف - هناك فرق بين من يقهر بقدرته ومن يعطيك الاختيار حتى تأتيه وأنت محب، على الرغم من أنه قادر على أن يقهرك. فساعة قال الحق: ﴿ أطيعوا الله.. ﴾ [النساء: 59] معناها: أنه لم يطلب منا شططا، وكيف نطيع الله؟ أن نطيعه في كل أمر، وهل أمر الله خلقه منفردين؟. لا، بل أمرهم كأفراد وكجماعة، وأعطاهم الإيمان الفطري الذي يثبت أن وراء الكون قوة أخرى خلقته، وهذه القوة لا يعرف أحد اسمها، ولا مطلوباتها، أو ماذا ستعطي لمن يطيعها إذن فلا بد أن يوجد مبلغ. ولذلك فأنا أرى أن بعض الفلاسفة قد جانبوا الصواب عندما قالوا: إن العقل كاف في إدراك الدين، وأقول لهم: لا، العقل كاف في إدراك من ندين له، ولكن العقل لا يأتي لنا بكيفية الدين ومنهجه. لذلك لا بد من بلاغ عنه يقول: افعلوا كذا وكذا وكذا، نقول لهؤلاء الفلاسفة: إن العقل كاف في استنباط وجود قوة وراء هذا الكون، أما شكل هذه القوة، واسمها وماذا تريد فلا أحد يعرف ذلك إلا أن يوجد مبلغ عن هذه القوة، ولا بد أن تكون القوة التي آمنت بها بفطرتك قد أرسلت من يقول: اسمه كذا، ومطلوبه كذا، إذن فقوله: ﴿ أطيعوا الله.. ﴾ [النساء: 59] يلزم منها إطاعة الرسول.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٠١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٠١٤