تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4.47

نعلم أن كل التشريعات التي جاءت من السماء لا يوجد فيها تضارب فالمشرع واحد، ولن يشرع اليوم شريعة ثم يأتي رسول آخر يشرع شريعة أخرى جديدة. فأصول الأديان كلها التي جاء بها ركب الرسالات واحدة، ولا تختلف إلا في بعض الأحكام التي تتطلبها ظروف العصور، وفي التشريع الواحد تتطور الأحكام وخصوصا ما يتعلق بالعادات، وما كان الله سبحانه وتعالى الرحيم بعباده يأتي لمسألة من المسائل تعرض الناس فيها لعادة فتمكنت منهم تلك العادة، وأصبحت تقودهم أن يفعلوها ثم يأتي لينهيها بكلمة، لم تأت الكلمة الفصل إلا في العقيدة، لكن المسائل التي تحتاج لينهيها بكلمة، لم تأت الكلمة الفصل إلا في العقيدة، لكن المسائل التي تحتاج إلى التعود فالحق يتلطف في أن يخرجها خروجا ميسورا، بمعنى أنه يجعلها مرحليات كي لا توجد فجوة الانتقال. ويمكننا أن نشبه فجوة الانتقال: مثلما يكون هناك من يدخن السجائر، ويصل معدل تدخينه في اليوم مائة سيجارة، فإذا قلنا له: اجعله خمسين سيجارة، ثم ثلاثين، وهكذا، وبذلك نكون قد وزعنا عادته على بعض الزمن، وبدلا من أن تكون المسافة بين السيجارة والسيجارة عشر دقائق أو نصف ساعة فلنجعلها ساعة فنكون قد كسرنا جزءا من الاعتياد، وكذلك مرحليات الأمور الاجتماعية التي تنشأ من رتابة التعود. إن الحق سبحانه وتعالى يقول: ﴿ يا أيهآ الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم ﴾ [النساء: 47]. فالحق يوضح: لم نأت بحاجة جديدة، بل كلها مما عندكم. قد يقول قائل: ما دامت مما عندهم فما الداعي لها؟. نقول: لأن هناك جديدا في أقضية العصر التي لم تكن موجودة عندهم، والذي زاد هو معالجة تلك الأقضية الجديدة، ولكن أصل الإيمان موجود بالقرآن المعجز الذي ينزل من السماء بالمعجزة بالتوحيد، والقضايا العقدية، كل هذه لا يوجد فيها خلاف. ﴿ يا أيهآ الذين أوتوا الكتاب آمنوا.. ﴾ [النساء: 47]، وكلمة ﴿ أوتوا الكتاب.. ﴾ [النساء: 47] إلزام لهم بالحجة، وتعني: نحن لا نكلمكم بكلام لا تعرفونه لأنه يقول: ﴿ مصدقا لما معكم ﴾ [النساء: 47] إنهم يعلمون ما معهم جيدا، فكان من الواجب أن يقارنوا ويوازنوا ما جاء لهم من جديد على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم بما عندهم، فإن وجدوه مصدقا لما عندهم فقد انتهت المسألة. ثم انظر إلى التهديد ﴿ من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارهآ أو نلعنهم كما لعنآ أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا ﴾ [النساء: 47]، سبحانه يناديهم: بادروا، كما نقول مثلا: " الحق نفسك وآمن " ويقول الحق: ﴿ من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارهآ.. ﴾ [النساء: 47]. والطمس هو: المحو. فالشيء الذي طمس هو الذي محي بعدما كان شيئا مميزا، وكلمة " وجوه " وردت في القرآن بمعان متعدددة، فتطلق مرة في البدن على ما يواجه وهو " الوجه " كما في قوله:

يوم تبيض وجوه

[آل عمران: 106]. ونطلق الكلمة مرة على القصد والنية والوجهة، قال تعالى:

بلى من أسلم وجهه لله

[البقرة: 112]. و " أسلم وجهه " تعني قصده ووجهته ونيته. إذن: فمرة يطلق الوجه على الوجه الذي به المواجهة، ومرة يطلق على القصد، وما العلاقة بين القصد، والنية، والوجه؟ لأن الإنسان إذا قصد شيئا اتجه إليه بوجهه، وسار له، إذن فالوجه يطلق على هذه الجارحة " الوجه " ، ويطلق على القصد والنية، وما دام يطلق بإطلاقين فيطلق على الوجه المعروف فينا، ويطلق على القصد والنية التي توجهنا فالاثنان يصحان. وقوله: ﴿ نطمس وجوها.. ﴾ [النساء: 47] لأنه سبحانه أوضح: أنا مكرمكم وجعلت لكم سمات تميزكم، بشكلها: حواجب، وعينين، وأنفا جميلا، وفما، بحيث إنك لو أردت أن تخلق هذه الخلقة، لما استطعت، وسبحانه يعلن: أنا أقدر أن أطمس هذه الوجوه التي تميزكم، بحيث أردها على الأدبار، فيكون الوجه مثل القفا، وتصبح كقطعة اللحم، هذا إن أردنا بقوله: ﴿ نطمس وجوها.. ﴾ [النساء: 47]، الوجه الذي في البدن. وإن أردنا بالوجه " القصد " نقول: الذين يشترون الضلالة، والذين يريدون أن تضلوا السبيل، والذين يحرفون الكلام عن مواضعه، والذين يقولون: " راعنا " ، والذين يقولون: " اسمع غير مسمع ". أليس لهم وجهة؟ وما وجهتهم في هذا الموقف وما قصدهم؟ إن قصدهم هو صرف أنفسهم وصرف الناس عن اتباع محمد، فكأنه يقول لهم: بادروا وآمنوا قبل أن نطمس ونمحو قصدكم فلا يصل إلى منتهاه من صدكم عن الإيمان برسول الله، الحقوا أنفسكم قبل أن يحدث ذلك ونلعنكم ونطردكم من رحمتنا، ولذلك نجد سيدنا عبد الله بن سلام عندما سمع الآية، ذهب إلى رسول الله ويده على وجهه وقال: والله لقد خفت قبل أن أسلم أن يطمس وجهي. وهذا دليل على أنه آمن بأن الذي قال هذا الكلام قادر على الإنفاذ. وفي عهد سيدنا عمر - رضي الله عنه - نجد كعب الأحبار يذهب له، ولم تكن الآية قد بلغته، فلما بلغته ذهب إلى سيدنا عمر وهو واضع يده على وجهه خائفا أن يطمس وجهه قبل أن يعلن إسلامه. وذلك دليل على يقينه من أن الذي قال هذا الكلام قادر على الإنفاذ. وقد يقول قائل: ولكن منهم أناس لم يؤمنوا ولم يحدث لهم هذا الطمس. نقول: أهو قال سنطمس الوجوه فقط؟ لا، بل قال أيضا: ﴿ أو نلعنهم كما لعنآ أصحاب السبت.. ﴾ [النساء: 47] ويكفي أن هناك أناسا اعتقدوا أن الطمس قد يجيء وهم من وجوه أهل الكتاب ومن أحبارهم، فالذين آمنوا برسول الله من هؤلاء كانوا يعلمون كيد اليهود، فسيدنا عبد الله بن سلام قبل أن يسلم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أحب أن أسلم، ولكني أخشى إن أسلمت أن يقول اليهود في شرا فقبل أن أسلم أسألهم عني، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبار اليهود: ماذا تقولون في عبد الله بن سلام؟ قالوا: سيدنا وابن سيدنا وعالمنا وحبرنا ومجدوه، فلما سمع ابن سلام منهم هذا الكلام قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله فقالوا: هو ابن كذا وابن كذا وسبوه، فقال ابن سلام: يا رسول الله، ألم أقل لك: إنهم قوم بهت.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٩٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٩٨٣