تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4.126

وسبحانه أوضح في آية سابقة أنه لا ولي ولا نصير للكافرين أو للمنافقين. ويؤكد لنا المعنى هنا: إياكم أن تظنوا أن هناك مهربا أو محيصا أو معزلا أو مفرا فلله ما في السماوات وما في الأرض، فلا السماوات تؤوي هاربا منه، ولا من في السماوات يعاون هاربا منه، وسبحانه المحيط علما بكل شيء والقادر على كل شيء. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ ويستفتونك في النسآء قل الله... ﴾.

4.127

" ويستفتونك " أي يطلبون الفتيا، ونعرف أن الدين قد مر بمراحل منها قول الحق: يسألونك. وهي تعبير عن سؤال المؤمنين في مواضع كثيرة. ومرحلة ثانية هي: " ويستفتونك ". وما الفارق بين الاثنين؟ لقد سألوا عن الخمر والأهلة والمحيض والإنفاق. والسؤال هو لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنه قال:

" ذروني ما تركتكم فإنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه ".

أي أنه طلب منهم ألا ينبشوا وألا يفتشوا في أشياء قد يجلبون بها على أنفسهم تكاليف جديدة، ومع ذلك سألوه عن رغبة في معرفة أي حكم يحدد حركة الإنسان في الحياة. ولو كانوا لا يريدون تحديد حركة حياتهم فلماذا يسألونه؟. كان السؤال دليلا على أن السائل قد عشق منهج الله فأحب أن يجعل منهج الله مسيطرا على كل أفعاله، فالشيء الذي أجمله وأوجزه الله يحب أن يسأل عنه. وأيضا فالإسلام جاء ليجد عادات للجاهلية وللعرب ولهم أحكام يسيرون عليها صنعوها لأنفسهم فلم يغير الإسلام فيها شيئا، فما أحبوا أن يستمروا في ذلك لمجرد أنه من عمل آبائهم، ولكن أحبوا أن يكون كل سلوك لهم من صميم أمر الإسلام لذلك سألوه في أشياء كثيرة. أما الاستفتاء فهو عن أمر قد يوجد فيه حكم ملتبس، ولذلك يقول الواحد في أمر ما: فلنستفت عالما في هذا الأمر لأن معنى الاستفتاء عدم قدرة واحد من الناس أو جماعة منهم في استنباط حكم أو معرفة هذا الحكم، ولذلك يردون هذا الأمر إلى أهله. والحق يقول:

ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم

[النساء: 83] الاستفتاء - إذن - يكون لحكم موجود، ولكن المستفتي لا يملك القدرة على استنباطه. ولذلك نجد المجتمعات الإسلامية تخصص دارا للإفتاء لأن المؤمن قد لا يعلم كل الجزئيات في الدين. وقد يعيش حياته ولا تمر به هذه الجزئيات، مثل أبواب الوقف أو المضاربة أو الميراث، فإن حدثت له مسألة فهو يستفتي فيها أهل الذكر. فالسؤال يكون محل العمل الرتيب، أما الفتوى فهي في أمر ليس المطلوب أن تكون المعرفة به عامة. ولذلك يتجه المستفتي إلى أهل الذكر طالبا الفتيا. والحق يقول: ﴿ ويستفتونك في النسآء ﴾ كأنهم قالوا للرسول: نريد حكم الله فيما يتعلق بالنساء حلا وحرمة وتصرفا. فكيف يكون الجواب؟: ﴿ قل الله يفتيكم فيهن ﴾ ولم يؤجل الله الفتوى لاستفتائهم بل سبق أن قاله، وعلى الرغم من ذلك فإنه - سبحانه - يفتيهم من جديد. فلعل الحكم الذي نزل أولا ليس على بالهم أو ليسوا على ذكر منه.

فقال الحق: ﴿ ويستفتونك في النسآء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النسآء ﴾ [النساء: 127] أي أن الحق يفتيكم في أمرهن، وسبق أن نزل في الكتاب، آية من سورة النساء. قال الحق فيها:

وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النسآء مثنى وثلاث ورباع

[النساء: 3] وتوالت آيات من بعد ذلك في أمر النساء. فقوله الحق: ﴿ قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب ﴾. إنما يعلمنا أن الإنسان لا يصح أن يتعجل الاستفتاء في شيء إلا إذا استعرض قبل ذلك ما عنده من علم لعله يجد فيه الجواب الذي يغنيه عن أن يستفتي. ومع أن الاستفتاء في أمر النساء جملة: صغيرات وكبيرات، يتيمات وغير يتيمات فلماذا جاء الجواب في يتامى النساء لأن النساء الكبيرات لهن القدرة على أن يبحثن أمورهن، ولسن ضعيفات، أما اليتيمة فهي ضعيفة الضعيفات، وعرفنا معنى اليتيم، واليتيم حيث لا يبلغ الإنسان المبلغ الذي يصبح فيه مستقلا، فلا يقال لمن بلغ حد البلوغ سواء أكان رجلا أم امرأة أنه يتيم لذلك جاء الجواب خاصا بيتامى النساء لأن يتامى النساء هن دائما تحت أولياء، هؤلاء الأولياء الذين نسميهم في عصرنا ب " الأوصياء " وكان للأوصياء حالتان: فإن كانت البنت جميلة وذات مال فالوصي يحب أن ينكحها ليستمتع بجمالها ويستولي على مالها. وإن كانت دميمة فالوصي لا يرغب في زواجها لذلك يعضلها، أي يمنعها من أن تتزوج لأنها إن تزوجت فسيكون الزوج هو الأولى بالمال. فاحتاجت هذه المسألة إلى تشريع واضح. وها نحن أولاء نجد سيدنا عمر - رضي الله عنه - وكانت له الفراسات التي تسمى الفراسات الفاروقية جاءه واحد يسأله عن أمر يتيمة تحت وصايته، فقال سيدنا عمر: - إن كانت جميلة فدعها تأخذ خيرا منك، وإن كانت دميمة فخذها زوجة وليكن مالها شفيعا لدمامتها. ويقول الحق: ﴿ وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النسآء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن ﴾ [النساء: 127] والذي كتب لهن إما أن يكون مهورا. وإما أن يكون تركة، وجاء القول الحكيم ليرفع عن المرأة عسف الولي. وجاء الأمر بهذا الأسلوب العالي الذي لا يمكن أن يقوله غير رب كريم، ونجد مادة " رغب " تعني " أحب ". فإذا ما كان الحال " أحب أن يكون " يقال: " رغب فيه " ، وإذا " أحب ألا يكون " فيقال: " رغب عنه ". ولذلك قال الحق:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١١٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١١٥٢