4.112
قالوا: إن الخطيئة هي الشيء غير المتعمد، مثال ذلك حين نعلم التلميذ قاعدة من قواعد النحو، ثم نطلب منه أن يطالع نصا من النصوص، ونلتفت لنجد التلميذ قد نصب الفاعل ورفع المفعول، ونصحح له الخطأ، إنه لم يتعمده، بل نسي القاعدة ولم يستحضرها. ونظل نصحح له الخطأ إلى أن يتذكر القاعدة النحوية، وبالتدريب يصبح الإعراب ملكة عند التلميذ فلا يخطئ. والخطيئة - إذن - هي الخطأ غير المتعمد. أما الإثم فهو الأمر المتعمد. فكيف إذا رمى واحد غيره بإثم ارتكبه أو خطيئة ارتكبها هو.. ما حكم الله في ذلك؟ ﴿ ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا ﴾ [النساء: 112] لقد ارتكب الخطيئة أو الإثم، ويا ليته اكتفى بهذا، لا، بل يريد أن يصعد الجريمة بارتكاب جريمة ثانية وذلك بأن يرمي بالخطيئة أو الإثم بريئا، إن إثمه مركب، ولذلك قال الحق: ﴿ فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا ﴾ واستخدام الحق هنا لكلمة " احتمل " وليس " حمل " تؤكد لنا أن هناك علاجا ومكابدة وشدة ليحمل الإنسان هذا الشيء الثقيل فالجريمة جريمتان وليست واحدة، لقد فعل الخطيئة ورمى بها بريئا، وفاعل الخطيئة يندم على فعلها مرة، ويندم أيضا على إلصاقها ببريء. إذن فهي حمل على أكتافه. ونعلم أن الإنسان ساعة يقع أسير سعار العداوة يهون عليه أن يصنع المعصية، ولكن بعد أن يهدأ سعار العداوة فالندم يأتيه. قال الحق:
واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين
[المائدة: 27] هابيل - إذن - يسأل قابيل: وما ذنبي أنا في ذلك، إن الله هو الذي يتقبل القربان وليس أنا فلماذا تقتلني؟ ويستمر القول الحكيم:
لئن بسطت إلي يدك لتقتلني مآ أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين
[المائدة: 28] وماذا يقول الحق من بعد ذلك:
فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين
[المائدة: 30] كأن مسألة القتل كانت عملية شاقة وليست سهلة، وأخذت مغالبة. وعلى سبيل المثال: لن يقول أحد: " لقد طوعت الحبل " ولكن هناك من يقول: " أنا طوعت الحديد ". وسعار الغضب جعل قابيل ينسى كل شيء وقت الجريمة، وبعد أن وقعت، وهدأ سعار الغضب الذي ستر موازين القيم، هنا ظهرت موازين القيم ناصعة في النفس. ولذلك نجد من يرتكب جريمة ما، ويتجه بعد ذلك لتسليم نفسه إلى الشرطة، وهو يفعل ذلك لأن سعار الجريمة انتهى وظهر ضوء موازين القيم ساطعا. وعلى ذلك نفهم قول الحق: ﴿ فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا ﴾.
وهذا يدل على أن من يصنع جريمة ثم يرمي البريء بالإثم إنما يرتكب عملأ يتطلب مشقة وتتنازعه نفسه مرة بالندم لأنه فعل الجريمة، وتنازعه نفسه مرة ثانية لأنه رمى بريئا بالجريمة لذلك قال الحق: ﴿ فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا ﴾ وساعة نسمع كلمة " بهتان " فهي مأخوذة من مادة " بهت ". والبهتان هو الأمر الذي يتعجب من صدوره من فاعله. مثال ذلك قوله الحق في شرح قضية سيدنا إبراهيم مع النمرود، حيث يقول سبحانه على لسان سيدنا إبراهيم:
فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب
[البقرة: 258] فماذا كان موقف الرجل؟
فبهت الذي كفر
[البقرة: 258] أي أنه سمع شيئا عجيبا يخرسه عن أن يتكلم فقد جاء له سيدنا إبراهيم بأمر عجيب لا يخطر على باله، ولا يستطيع أن يجد منه مفرا، فكأن الأمور المخالفة لمنطق الحق ولمطلوب القيم أمور غريبة عن الناس إنها هي البهتان، والدليل على ذلك أنها أمور يستتر فاعلها عن الناس. وإذا ما نظرنا إلى القضية التي نزلت الآية بسببها. وجدنا أن سارقا سرق وأراد أن يبرئ نفسه وأن يدخل في الجريمة بريئا. ويلصقها به، وأن يرتكب المجرم الجريمة فهذا يحمله إثما. أما أن ينقل الجريمة إلى سواه فهذا يدل على وجود طاقة أخرى حتى يحتمل ما فعله، وهذا صعب على النفس، ولا يتعجب أحد لسماع شيء إلا إذا كان هذا الشيء مخالفا لما هو مألوف ومعروف. وإن في الحوار بين سيدنا إبراهيم والنمرود لدليلا واضحا وناصعا فعندما قال النمرود: