4.74
ومادة: " شرى " ومادة " اشترى " كلها تدل على التبادل والتقايض، فأنت تقول: أنا اشتريت هذا الثوب بدرهم أي أنك أخذت الثوب ودفعت الدرهم، وشرى تأتي أيضا بمعنى باع مثل قول الحق:
وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين
[يوسف: 20]. فالجماعة الذين وجدوا سيدنا يوسف عليه السلام في الجب كانوا فيه من الزاهدين. وبعد ذلك باعوه بثمن بخس، إذن ف " شرى " من الأفعال التي تأتي بمعنى البيع وبمعنى الشراء لأن المبيع والمشترى يتماثلان في القيمة، وكان الناس قديما يعتمدون على المقايضة في السلع، فلم يكن هناك نقد متداول، كان هناك من يعطي بعض الحب ويأخذ بعض التمر، فواحد يشتري التمر وآخر يشتري الحب، والذي جعل المسألة تأخذ صورة شراء وبيع هو وجود سلع تباع بالمال. وما الفرق بين السلع والمال؟. السلعة هي رزق مباشر والمال رزق غير مباشر. فأنت مثلا تأكل رغيف الخبز وثمنه خمسة قروش، لكنه لو عندك جبل من ذهب وتحتاج رغيفا ولا تجده أينفعك جبل الذهب؟ لا. إذن فالرغيف رزق مباشر لأنك ستأكله، أما الذهب فهو رزق غير مباشر لأنك تشتري به ما تنتفع به. وبذلك نستطيع أن نحدد المسألة فالسلعة المستفادة منها مباشرة هي رزق مباشر، ندفع ثمنها مما لا ننتفع به مباشرة، والحق سبحانه وتعالى يريد أن يعقد مع المؤمن به صفقة فيها بيع وشراء. وأنتم تعلمون أن البائع يعطي سلعة ويأخذ ثمنا، والشارى يعطي ثمنا ويأخذ سلعة، والحق يقول هنا: ﴿ فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة.. ﴾ [النساء: 74]. فالمؤمن هنا يعطي الدنيا ليأخذ الآخرة التي تتمثل في الجنة والجزاء، ومنزلة الشهداء ولذلك يقول الحق في آية أخرى:
إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة..
[التوبة: 111]. وقال بعدها:
فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به..
[التوبة: 111]. تلك هي الصفقة التي يعقدها الحق مع المؤمنين، وهو سبحانه يريد أن يعطينا ما نتعرف به على الصفقات المربحة، فكل منا في حياته يحب أن يعقد صفقة مربحة بأن يعطي شيئا ويأخذ شيئا أكبر منه، ولذلك يقول في آية أخرى:
يرجون تجارة لن تبور
[فاطر: 29]. هنا أيضا تجارة، وأنت حين تريد أن تعقد صفقة عليك أن تقارن الشيء الذي تعطيه بالشيء الذي تأخذه ثم افرق بينهما، ما الذي يجب أن يضحي به في سبيل الآخر؟. والحق قد وصف الحياة بأنها ﴿ الدنيا.. ﴾ [النساء: 74] ولا يوجد وصف أدنى من هذا، فأوضح المسألة: إنك ستعطي الدنيا وتأخذ الآخرة، فإذا كان الذي تأخذه فوق الذي تعطيه فالصفقة - إذن - رابحة، فالدنيا مهما طالت فإلى نهاية، ولا تقل كم عمر الدنيا، لأنه لا يعنيك أن يكون عمر الدنيا ألف قرن، وإنما عمر الدنيا بالنسبة لكل فرد: هو مقدار حياته فيها، وإلا فإن دامت لغيري فما نفعي أنا؟.
إذن فقيمة الدنيا هي: مقدار عمرك فيها، ومقدار عمرك فيها مظنون، وعلى الرغم من ارتفاع متوسطات الأعمار في القرن العشرين، فالبعض يقول: متوسط الأعمار في أمريكا سبعون أو خمس وستون سنة، لكن ذلك لا يمنع الموت من أن يأخذ طفلا، أو فتى، أو رجلا، أو شيخا. إن عمر الدنيا بالنسبة لكل إنسان هو: مقدار حياته فيها، فلا تقارنها بوجودها مع الآخرين، إنما قارنها بوجودها معك أنت، وهب أنه متيقن ولكنه محدود بسبعين عاما على سبيل المثال، ستجد أن تنعمك خلالها مهما كبر وعظم فهو محدود. والإنسان منا يظل يربى إلى أن يبلغ الحلم. فإذا ما بلغ الحلم وأصبحت له حياة ذاتية، أي أن إرادته لم تعد تابعة للأب أو للأم، بينما في طفولته كان كل اعتماده على أسرته، أبوه يأتي له بالملبس فيلبسه وبالمطعم فيأكله، ويوجهه فيتوجه، لكن حينما توجد له ذاتية خاصة يقول لأبيه: هذا اللون لا يعجبني! والأكل هذا لا يعجبني!! هذه الكلية لن أذهب إليها. ولا توجد للإنسان ذاتية لا إذا وصل إلى مرحلة من العمر يستطيع أن ينسل مثله، فإذا ما أصبح كذلك نقول له: هذا هو النضج، وهو الذي يجعل لك قيمة ذاتية. إنك إذا زرعت شجيرة بطيخ. فأنت ترعاها سقيا وتنظيما وتسميدا، وهي مازالت صغيرة وتتعهدها كي لا تخرج مشوهة، حتى تنضج، وساعة تنضج يكون الشغل الشاغل قد انتقل من الشجيرة إلى الثمرة " البطيخة " ، فيقال صار لها ذاتية لأنك إن شققتها لتأكلها تجد " اللب " قد نضج، وإن زرعته تأتي منه شجيرة أخرى. ولكن إذا ما قطفت الثمرة قبل النضج فأنت قد تجد " اللب " أبيض لم ينضج بعد، فلا تصلح تلك البذور لأن تأتي وتثمر مثلها، وإن كان " اللب " نصفه أبيض ونصفه أسود، فهي لم تنضج تماما، أما إذا وجدت " لبها " أسمر اللون داكنا فهو صالح للزراعة والإثمار، وتجد الحلاوة متمشية مع نضج البذرة. فلو كانت الثمار تنضج قبل البذور لتعجل الخلق أكل الثمرة قبل أن تربى وتنضج البذور ولانقطع النوع لذلك لم يجعل ربنا حلاوة الثمرة إلا بعد أن تنضج البذور، وكذلك الإنسان، والحق يقول: