تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4.3

هنا يؤكد الحق الأمر بأن ابتعدوا عن اليتامى. فاليتيم مظنة أن يظلم لضعفه، وبخاصة إذا كان أنثى. إن الظلم بعامة محرم فى غير اليتامى، ولكن الظلم مع الضعيفة كبير، فهي لا تقدر أن تدفع عن نفسها، فالبالغة الرشيدة من النساء قد تستطيع أن تدفع الظلم عن نفسها. وقوله الحق: ﴿ وإن خفتم ألا تقسطوا.. ﴾ [النساء: 3] من " أقسط " أي عدل، والقسط من الألفاظ التي تختلط الأذهان فيها، و " القسط " مرة يطلق ويراد به " العدل " ، إذا كان مكسور القاف، ولذلك يأتي الحق سبحانه فيقول:

شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قآئما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم

[آل عمران: 18]. وهكذا نعرف أن كلمة " قسط " تأتي مرة للعدل ومرة للجور. ف " قسط " " يقسط " " قسطا " و " قسوطا " أي ظلم بفتح القاف في " قسط " وضمها في " قسوط ". والقسط بكسر القاف هو العدل، والقسط بفتح القاف - كما قلنا - هو الظلم وهناك مصدر ثان هو " قسوط " لكن الفعل واحد، وعندما يقول الحق: ﴿ وإن خفتم ألا تقسطوا.. ﴾ [النساء: 3] من أقسط. أي خفتم من عدم العدل وهو الظلم. وهناك في اللغة ما نسميه همزة الإزالة، وهي همزة تدخل على الفعل فتزيله، مثال ذلك: فلان عتب على فلان، أي لامه على تصرف ما، ويقال لمن تلقى العتاب عندما يرد على صاحب العتاب: أعتبه، أي طمأن خاطره وأزال مصدر العتاب. ويقال: محمد عتب على علي. فماذا كان موقف علي؟ يقال: أعتب محمدا أي طيب خاطره وأزال العتاب. ويقال أعجم الكتاب. فلا تفهم من ذلك أنه جعل الكتاب معجما، لا، فأعجمه أي أزال إبهامه وغموضه. كذلك " أقسط " أي أزال القسط والظلم. إذن " القسط " هو العدل من أول الأمر، لكن " أقسط. إقساطا " تعني أنه كان هناك جور أو ظلم وتم رفعه. والأمر ينتهي جميعه إلى العدل. فالعدل إن جاء ابتداء هو: قسط بكسر القاف. وإن جاء بعد جور تمت إزالته فهو إقساط. فحين يقال " أقسط " و " تقسطوا " بالضم، فمعناها أنه كان هناك جور وظلم تم رفعه، ولذلك فعندما نقرأ القرآن نجده يقول:

وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا

[الجن: 15]. والقاسطون هنا من القسط - بالفتح - ومن القسوط بالضم، أي من الجور والظلم، ونجد القرآن الكريم يقول أيضا:

وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين

[المائدة: 42]. أي أن الله يجب الذين إن رأوا ظلما أزالوه وأحلوا محله العدل.

الحق هنا في سورة النساء يقول: ﴿ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى.. ﴾ [النساء: 3] أي إن خفتم ألا ترفعوا الظلم عن اليتامى، ومعنى أن تخاف من ألا تقسط لأنك بار تعرف كيف تنقذ نفسك من مواطن الزلل. أي فإن خفتم أيها المؤمنون ألا ترفعوا الجور عن اليتامى فابتعدوا عنهم وليسد كل مؤمن هذه الذريعة أمام نفسه حتى لا تحدثه نفسه بأن يجور على اليتيمة فيظلمها. وإن أراد الرجل أن يتزوج فأمامه من غير اليتامى الكثير من النساء. وما دامت النساء كثيرات فالتعدد يصبح واردا، فهو لم يقل: اترك واحدة وخذ واحدة، لكنه أوضح: اترك اليتيمة وأمامك النساء الكثيرات. إذن فقد ناسب الحال أن تجيء مسألة التعدد هنا، لأنه سبحانه وتعالى يريد أن يرد الرجل الولي عن نكاح اليتيمات مخافة أن يظلمهن، فأمره بأن يترك الزواج من اليتيمة الضعيفة لأن النساء غيرها كثيرات. ﴿ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النسآء مثنى وثلاث ورباع.. ﴾ [النساء: 3]. وقوله الحق: ﴿ ما طاب لكم من النسآء.. ﴾ [النساء: 3] أي غير المحرمات في قوله تعالى:

ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النسآء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وسآء سبيلا

[النساء: 22]. وفي قوله سبحانه:

حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسآئكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسآئكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما * والمحصنات من النسآء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم..

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٨٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٨٥٥