تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كلا إن معي ربي سيهدين

[الشعراء: 62]. وهل تكذب مقولته؟ لا، لا تكذب لأنه لم يقل: " كلا " اعتمادا على أسبابه. فليس من محيط أسبابه أن يخرج من مثل هذا الموقف، بل قال:

إن معي ربي سيهدين

[الشعراء: 62]، هذه ثمرة الإيمان، فلما قال:

إن معي ربي سيهدين

[الشعراء: 62]، ماذا قال له الله؟ قال له:

اضرب بعصاك البحر..

[الشعراء: 63]. لم يقل له: اهجم عليهم واغلبهم، لا، بل قال:

اضرب بعصاك البحر..

[الشعراء: 63] كي يعطي الشيء ونقيضه، ولتعرف أن مرادات الحق سبحانه وتعالى تعطي الشيء ونقيضه، ولا أحد من البشر يقدر أن يصنع مثل ذلك، فلما قال له: اضرب بعصاك البحر، ضرب موسى البحر بالعصا، وكان موسى يعلم قانون الماء استطراقا وسيولة، لكن ها هي ذي المعجزة تتحقق:

فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم

[الشعراء: 63]. و " الطود " هو الجبل، والجبل فيه صلابة، والماء فيه رخاوة، فكيف انتقلت الرخاوة إلى صلابة؟ إن الماء مهمته الاستطراق، أي لا يمكن أن توجد منطقة منخفضة والماء أعلاها، بل لا بد أن ينفذ منها، وعندما أطاع موسى أمر الله أراد أن يطمئن بأسباب البشر، فأراد أن يضرب البحر كي يعود البحر مثلما كان حتى لا يأتي قوم فرعون وراءه فقال له ربنا:

واترك البحر رهوا..

[الدخان: 24]. أي: اتركه كما هو على هيئته قارا ساكنا لأنني أريد أن يغريهم ما يرون من اليبس في البحر فينزلوا، فأعيد الماء إلى استطراقه وأطبقه عليهم، فأكون قد أنجيت وأهلكت بالشيء الواحد. يقول الحق: ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتب يؤمنون بالجبت والطغوت.. ﴾ [النساء: 51] وكيف ذلك؟ بعد موقعة أحد جاء حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف وابن أبي الحقيق، وأبو رافع. هؤلاء هم صناديد اليهود، وأخذوا أيضا سبعين من اليهود معهم ونزلوا على أهل مكة، ونقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله، وبعد ذلك نزل كعب ابن الأشرف - زعيمهم - على أبي سفيان وقال له: نريد أن نتعاهد على أننا نقف أمام محمد. فقال أبو سفيان: أنت صاحب كتاب، وعندك توراة، وعندك إيمان بالسماء، وعندك رسول، ونحن ليس عندنا هذا، و " محمد " يقول: إنه صاحب كتاب ورسول، إذن فبينكما علاقة الاتصال بالسماء، فما الذي يدرينا أنك متفق معه علينا في هذه الحكاية؟ إننا لا نأمن مكرك، ولن نصدق كلامك هذا إلا إذا جئت لآلهتنا وأقمت مراسم العبادة عندها فسجدت لها. و " الجبت والطاغوت " هما صنمان لقريش، وذهب إليهما اليهود أصحاب التوراة الذين عندهم نصيب من الكتاب وخضعوا لهما، أو " الجبت " هو كل من يدعو لغير الله سواء أكان شيطانا أم كاهنا أم ساحرا، فإذا كان هذا هو " الجبت " ف " الطاغوت " من " طغى " وهو اسم مبالغة وليس " طاغيا " ، بل " طاغوت " وهو الذي كلما أطعته في ظلم ارتقى إلى ظلم أكثر.

وسواء أكان الجبت والطاغوت صنمين أم إلهين من الآلهة التي يتبعونها، المهم أن وفد اليهود خضعوا لهم وسجدوا، لكي تصدق قريش عداء اليهود لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبعد ذلك سأل كعب بن الأشرف أبا سفيان: ماذا فعل محمد معكم؟ قال له: فارق دين آبائه، وقطع رحمه وتركهم وفر إلى المدينة، ونحن على غير ذلك. نحن نسقي الحجيج، ونقري الضيف، ونفك العاني - الأسير - ونصل الرحم، ونعمر البيت ونطوف به. وعظم أبو سفيان في أفعال قريش!، فقال الذين أوتوا الكتاب - لعداوتهم لمحمد - قالوا لأبي سفيان وقومه: أنتم أهدى من محمد سبيلا! ويوضح ربنا: يا محمد انظر لعجائبهم إنهم أوتوا نصيبا من الكتاب، ومع ذلك فعداوتهم لك ووقوفهم أمام دينك وأمام النور الذي جئت به، جعلهم ينسون نصيبهم من الكتاب، ويؤمنون بالجبت والطاغوت وهم القوم أنفسهم الذين كانوا يقولون للعرب قديما: إنه سيأتي نبي منكم نتبعه ونقتلكم به قتل عاد وإرم. لكن ها هم أولاء يذهبون ويؤمنون بالطاغوت والجبت، فهل عند مثل هؤلاء شيء من الدين؟ إن الحق سبحانه يريد أن يطمئن رسول الله بأن هؤلاء انعزلوا عن مدد السماء، فإن نشب بينك وبينهم حرب أو خلاف فاعلم أن الله قد تخلى عنهم لأنهم تركوا النصيب من الكتاب الذي أوتوا. وإياك أن يأتي في بالك أن هؤلاء أصحاب كتاب. إن الحق يطمئن رسوله أنه سبحانه قد تخلى عنهم وأن الله ناصرك - يا محمد - فلا يغرنك أنهم أصحاب مال أو أصحاب علم أو أصحاب ثروات، فكل هذا إلى زوال لأن حظهم من السماء قد انقطع ولأن الشرك قد حازهم وملكهم وضمهم إليه وقد جعلوا العداوة لك والانضمام إلى الكفار الذين كانوا يستفتحون عليهم، ببعثك ورسالتك، ثمنا لأن يتركوا الإيمان. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ أولئك الذين... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٩٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٩٩٥