وهذا الضجيج الذي يعلو في الكون سببه أنه يوجد في كون الله أرض بلا رجال ورجال بلا أرض، فإذا ما ضاق مكان بإنسان فله أن يذهب إلى مكان آخر، ولو كان الأمر كذلك لسعدت البشرية، ومن ينقض هذه القضية فعلية أن يعرف أنه ياخذ الخلافة في الأرض بغير شروطها، فالذي يفسد الأمر في الأرض أن الإنسان الخليفة في الأرض نسي أنه خليفة واعتبر نفسه أصيلا في الكون. وما دام قد اعتبر نفسه أصيلا في الكون فهذا هو الفساد: ﴿ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وسآءت مصيرا ﴾ [النساء: 97]. إذن، فإن أقام الإنسان على ضيم ولم يعمل فكره وعقله ولم يطرح قضية الكون أمامه ليرى الأرض التي تسعه فيهاجر فيها فعليه أن يعرف أنه مهدد بسوء المصير لأن الله قد جعل له الكون كله ليكون فيه خليفة، أما الذين سوف ينجون من هذا العقاب ومن تعنيف الملائكة لهم ساعة الوفاة فهم من يقول عنهم الحق في الآية التالية: ﴿ إلا المستضعفين من الرجال... ﴾.
4.98
وعلينا أن نعرف أن هناك فرقا بين " مستضعف دعوى ومستضعف حقيقي " ، فهناك مستضعف قد قبل استضعاف غيره له وجعل من نفسه ضعيفا. هذا هو " مستضعف دعوى ". أما " المستضعف الحقيقي " فهو من هؤلاء الذين يحددهم الحق: ﴿ إلا المستضعفين من الرجال والنسآء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ﴾ [النساء: 98]. هؤلاء هم المستضعفون فعلا حسب طبيعة عجزهم من الرجال والنساء والولدان. هل الولد من الولدان يكون مستضعفا؟ نعم لأن الاستضعاف إما أن يكون طارئا وإما أن يكون ذاتيا فبعض من الرجال يكون مملوكا لغيره ولا يقدر على التصرف أو الذهاب، وكذلك النساء فالمرأة لا تستطيع أن تمشي وحدها وتحمي نفسها، بل لا بد أن يوجد معها من يحميها من زوج أو محرم لها، وكذلك الولدان لأنهم بطيعتهم غير مكلفين وهم بذلك يخرجون عن نطاق التعنيف من الملائكة لأنهم لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا. وهذه دقة في الأداء القرآني، فالإنسان مكلف بالخروج عن ظلم غيره له ولو بالاحتيال، والاحتيال هو إعمال الفكر إعمالا يعطي للإنسان فرصة أكثر مما هو متاح له بالفعل. فقد تكون القوة ضعيفة. ولكن بالاحتيال قد يوسع الإنسان من فرص القوة. ومثال ذلك: الإنسان حين يريد أن يحمل صخرة، قد لا يستطيع ذلك بيديه، لكنه يأتي بقضيب من الحديد ويصنع منه عتلة ويضع تحت العتلة عجلة، ليدحرج الصخرة، هذه هي حيلة من الحيل، وكذلك السقالات التي نبني عليها، إنها حيلة. والذي قام ببناء الهرم، كيف وضع الحجر الأخير على القمة؟ لقد فعل ذلك بالحيلة، والذي جلس لينحت مسلة من الجرانيت طولها يزيد على العشرة الأمتار، ثم نقلها وأقامها إنه فعل ذلك بالحيلة. فالحيلة هو فكر يعطي الإنسان قدرة فوق قدرته على المقدور عليه، كذلك معرفة السبيل إلى الهجرة. وكانت معرفة الطرق إلى الهجرة من مكة إلى المدينة في زمن رسول الله تحتاج إلى خبرة حتى يتجنب الواحد منهم المفازات والمتاهات، وحينما قال الرسول بالهجرة أحضر دليلا للطريق، وكان دليله كافرا، فلا يتأتى السير في مثل هذه الأرض بلا دليل. ولننظر إلى قول الحق سبحانه: ﴿ فأولئك عسى... ﴾.