تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولذلك يحترم الحق هذه المواثيق والأحلاف. إن الحق يوضح لنا: لا تأخذوا هذا الأمر أيها المسلمون على إطلاقه لأن الإسلام دين الوفاء بالعهود، وقد أعطيتم بعض القبائل عهودا بأن من لجأ إليهم يؤمنونه ويدخل في حمايتهم، وكذلك الذي يصل ويلجأ إلى المسلمين فعليهم حفظه ومنع التسلط عليه. لذلك قال الحق في هذا الاستثناء: ﴿ إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم... ﴾.

4.90

والآية تبدأ باستدراك حتى لا تفتح مجالا لإغضاب من كان للإسلام تعاهد معهم وتعاقد، فالذين يصلون ويلجأون إلى قوم بينهم وبين المسلمين تحالف أو ميثاق لا ينطبق عليهم ما جاء في الآية السابقة وهو الأخذ والقتل. مثال ذلك ما حدث من عهد بين المسلمين وهلال بن عويمر الأسلمي على ألا يعينوه ولا يعينوا عليه وعلى أن من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله الجوار مثل الذي لهلال. والاستثناء يشمل أيضا من جاءوا إلى المسلمين، فمن ذهب من المنافقين إلى من عاهده المسلمون فهو يحصل على الأمان، وكذلك يؤمن الرسول من جاءه من المنافقين وقال من الأسباب ما يجعله يطلب حماية الرسول والإسلام: فعلى الرغم من نفاقة يؤمنه الإسلام. ﴿ أو جآءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم.. ﴾ [النساء: 90] كأن يقول الواحد منهم: أنا لا أقدر أن أقاتلكم، ولا أقدر أن أقاتل قومي فاغفر لي هذا واقبلني معكم. هؤلاء يقبلهم الرسول لأنهم أقروا بما هم فيه من ضيق، فهم لا يستطيعون التصرف لا أمام المسلمين فيعلنون الإيمان، ولا أمام الكافرين فيعملون في معسكر الكفر. ولا يستطيعون أن يتخذوا موقفا حاسما حازما بين المسلمين والكافرين، فهم يقرون بضعفهم، ويعترفون به. ﴿ ولو شآء الله لسلطهم عليكم.. ﴾ [النساء: 90] فما الذي يجعلهم يلوذون إلى قوم يتحالفون مع المسلمين بميثاق حتى يحتموا فيهم؟ أو يقرون أن صدورهم ضيقة وأنهم غير قادرين على التصرف، ويعلنون: لا نستطيع أن نقاتلكم ولا أن نقاتل قومنا. ويوضح الحق: أنا فعلت هذا وألقيت الرعب في نفوسهم، ولو شئت لسلطتهم وجرأتهم عليكم، وقاتلوكم، إذن فسبحانه ينصرنا بالرعب ويمنع قتالهم لنا. ﴿ فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ﴾ [النساء: 90]. إن اعتزلوكم ولم يقاتلوكم وألقو السلم واعترفوا بأنهم لا يملكون طاقة اختيار بين قتال المسلمين أو قتال قومهم، فليس لكم أيها المسلمون حجة أن تعتدوا عليهم فالاعتداء عليهم في مثل هذه الحالة ينهى الله عنه. وعين الحق لا تقتصر على ما نعرف، ولكن تتعدى إلى أدق التفاصيل فهي عين لا ترى ما عرفناه فقط ولكنها تكشف لنا الحجب التي لا نعرفها، فيقول سبحانه: ﴿ ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٠٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٠٩٢