4.97
هؤلاء هم الذين يظلمون أنفسهم بعدم المشاركة في الجهاد وهذا ما يحدث لهم عندما تقبض الملائكة أرواحهم. و " التوفي " معناه " القبض " فيقال: " توفيت ديني " أي قبضته مستوفيا. ويقال: " توفى الله الإنسان " أي قبضه إليه مستوفيا. والقبض له آمر أعلى، وهو الحق. ومن بعد ذلك هناك موكل عام هو " عزرائيل " ملك الموت، وهناك معاونون لعزرائيل وهم الملائكة. فإذا نسبت الوفاة فهي تنسب مرة لله، فالله يتوفى: لأنه الآمر الأعلى، وتنسب الوفاة للملائكة في قوله:
حتى إذا جآء أحدكم الموت توفته رسلنا..
[الأنعام: 61]. وتنسب الوفاة إلى عزرائيل.
قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم..
[السجدة: 11]. وإذا ما أطلق الحق هذه الأساليب الثلاثة في وصف عملية الوفاة فهل هذا اختلاف وتناقض وتضارب في أساليب القرآن؟ لا، بل هو إيضاح لمراحل الولاية التي صنعها الله، فهو الآمر الأعلى يصدر الأمر إلى عزرائيل، وعزرائيل يطلق الأمر لجنوده. وفي حياتنا ما يشرح لنا هذا المثل - ولله المثل الأعلى - فالتلميذ قد يذهب إلى المدرسة بعد امتحان آخر العام ويعود إلى بيته قائلا: لقد وجدت نفسي راسبا، والسبب في ذلك هم المدرسون الذين قصدوا عدم إنجاحي. ويرد عليه والده: المدرسون لم يفعلوا ذلك، ولكن اللوائح التي وضعتها الوزارة لتصحيح الامتحانات هي التي جعلتك راسبا.. فيرد التلميذ: لقد جعلني الناظر راسبا. وهذا قول صحيح لأن الناظر يطبق القوانين التي يحكم بمقتضاها على الطالب أن يكون ناجحا أو راسبا. وقد يقول التلميذ: إن وزير التربية والتعليم هو من جعلني راسبا. وهذا أيضا صحيح لأن الوزير يرسم مع معاونية الخطوط الأساسية التي يتم حساب درجات كل تلميذ عليها، فإذا قال التلميذ: لقد جعلتني الدولة راسبا، فهو قول صحيح لأنه فهم تسلسل التقنين إلى مراحل العلو المختلفة، وأي حلقة من هذه الحلقات تصلح أن تكون فاعلا. ومن هنا نفهم أن الحق سبحانه حين يقول:
الله يتوفى الأنفس حين موتها..
[الزمر: 42]. فهذا قول صحيح، مثل قوله سبحانه:
قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم..
[السجدة: 11]. ومثل قوله سبحانه:
توفته رسلنا..
[الأنعام: 61]. كل هذه الأقوال صحيحة لأنها تتعلق بمدارج الأمر. ﴿ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم.. ﴾ [النساء: 97] والظلم هو أن تأتي لغير ذي الحق وتعطيه ما تأخذ من ذي الحق، والظلم يقتضي ظالما ومظلوما وأمرا وقع الظلم فيه. فكيف يكون الإنسان ظالما لنفسه وتتوفاه الملائكة على ذلك؟. لا بد أنهم فعلوا ما يستحق ذلك. فساعة تأتي للإنسان الشخصية المعنوية الإيمانية بعد أن آمن بالله وآمن بالمنهج، ثم تحدثه نفسه بالمخالفة، هنا يواجه صراعا بين أمرين: مسئولية الشخصية الإيمانية التي تقبل بها المنهج من الله، ووازع النفس التي تلح عليه بالانحراف.
ويدور ما هو أشبه بالحوار بين المسئولية الإيمانية ووازع النفس الملح بالانحراف. وعندما تتغلب النفس الإيمانية يعرف الإنسان أن نفسه صارت مطمئنة وسعيدة، ويقول لنفسه: إنك إن طاوعت وازع الانحراف تكن قد حققت شهوة عاجلة ستكوى بها في آخر الأمر، وأنت برفضك للشهوة تكون قد أنصفت نفسك. ولو طاوعت شهوتك العاجلة تكون قد ظلمت نفسك. ومثل ذلك يحدث في حياتنا العادية: عندما تدلل الأم ابنها بينما يطلب منه والده الاستذكار ويحاول أن يردعه ليقوم بمسئوليته الدراسية، إن هذه الأم تظلم ابنها، وكذلك يعطينا الحق فكرة عن الصراع بين الشخصية الإيمانية والنفس الانحرافية التي تريد الهوى فقط فيقول:
واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين
[المائدة: 27]. هنا يقول هابيل لقابيل: - ولماذا تقتلني؟. إنني لست أنا الذي تقبل القربان ولكن الذي تقبله هو الله فما ذنبي؟. ويأتي بعد ذلك الحوار: