تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل * ألم يجعل كيدهم في تضليل * وأرسل عليهم طيرا أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل * فجعلهم كعصف مأكول

[الفيل: 1-5]. وعلة هذه العملية تأتي في السورة التالية لها، وهي قوله سبحانه:

لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتآء والصيف

[قريش: 1-2]. فلولا أنه سبحانه جعل هذا البيت لعبادته لانتهى وانتهت منهم السيادة فلا يقدرون أن يذهبوا إلى رحلة الشتاء ولا إلى رحلة الصيف ولذلك يقول سبحانه:

فليعبدوا رب هذا البيت

[قريش: 3]. فسبحانه الذي جعل لهم السيادة والعز. وهو:

الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف

[قريش: 4]. وجاء لهم بثمرات كل شيء، وآمنهم من خوف حين تسير قوافلهم في الشمال وفي الجنوب. ﴿ أم لهم نصيب من الملك.. ﴾ [النساء: 53] فإذا كان لهم هذا النصيب، فلا يأتون الناس نقيرا أي لا يعطونهم الشيء التافه. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ أم يحسدون الناس... ﴾.

4.54

والحسد هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأن ربنا قد اصطفاه واختاره للرسالة، ولذلك قال بعض منهم:

وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم

[الزخرف: 31]. إذن: فالقرآن مقبول في نظرهم، لكن الذي يحزنهم أنه نزل على محمد، وهذا من تغفيلهم، وهو مثل تغفيل من قالوا:

اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم

[الأنفال: 32]. لقد تمنوا الموت والقتل رميا بالحجارة من السماء ولم يتمنوا اتباع الحق، وهذا قمة التغفيل الدال على أنها عصبية مجنونة، ولذلك يقول الحق:

أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم..

[الزخرف: 32]. وسبحانه يؤكد لنا أنه يختص برحمته من يشاء، فلماذا الحسد إذن؟ إنهم يحسدون الناس أن جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم، ولو أنهم استقبلوا ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم استقبالا عادلا بعين الإنصاف لوجدوا أن كل ما جاء به هو كلام جميل. من يتبعه تتجمل به حياته. وكان مقتضى من آتاهم الله من فضله علما من الكتاب أن يبشروا برسول الله صلى الله عليه وسلم كما دعاهم إلى ذلك نزل عليهم في كتابهم وأن يكونوا أول المصدقين به، ولكنهم لم يفعلوا ذلك، بل كذبوا وصدوا عن سبيله وفضلوا عليه الكافرين الوثنيين. فقالوا إنهم أهدى من محمد سبيلا. والحق سبحانه وتعالى حين يتفضل على بعض خلقه بخصوصيات يحب سبحانه أن تتعدى الخصوصيات إلى خلق الله لأننا نعرف أن في كل خلق من خلق الله خصوصية مواهب، فإذا ما تفضل المتفضل بموهبته على الخلق تفضل بقية الخلق عليه بمواهبهم، إذن: فقد أخذ مواهب الجميع حين يعطي الجميع. وهؤلاء قوم آتاهم الله نصيبا فبخلوا وضنوا، وليتهم ضنوا على أمر يتعلق بهم، بل على الأمر الذي وصلهم بالإله، وهو أنهم أصحاب كتاب عرفوا عن الله منهجه، وعرفوا عن الله ترتيب مواكب رسله، فيريد الحق سبحانه أن يقول لهم: أنتم أوتيتم نصيبا من الكتاب فلم تؤدوا حقه، وأيضا أنكم لو ملكتم الملك فإنكم لن تؤدوا حقه، ولن تعطوا أحدا مقدار نقير وهو النقرة على ظهر النواة، ولذلك قال:

أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا

[النساء: 53]. إذن: فلا هم في المعنويات والقيم معطون، ولا هم في الماديات معطون، فإذا كانوا قد بخلوا بما عندهم من القيم فهم أولى أن يبلخوا بما عندهم من المادة، وبذلك صاروا قوما لا خير فيهم أبدا. ثم يوضح الحق: إذا كان هؤلاء قد أوتوا نصيبا من الكتاب يعرفهم سمات الرسول المقبل الخاتم فما الذي منعهم أن يؤمنوا به أولا ويؤيدوه؟. لا شك أنه الحسد، على الرغم من أنه صلى الله عليه وسلم جاء مصدقا لما معهم، إنهم لا شك حسدوا الرسول صلى الله عليه وسلم، والحسد لا يتأتى إلا عن قلب حاقد، قلب متمرد على قسمة الله في خلقه لأن الحسد كما قالوا: هو أن تتمنى زوال نعمة غيرك، ويقابله " الغبطة " وهي أن تتمنى مثل ما لغيرك، فغيرك يظل بنعمة الله عليه، ولكنك تريد مثلها.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٩٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٩٩٨