ذلك أن الحق قد يجعل في المنع عطاء، لكن من الذي يتنبه لذلك؟ لم يقولوا: ما عند الله خير من هذا السمك الشرع الذي يأتينا ويلفتنا. لكنهم احتالوا حيلا، مثلا: صنعوا من الأسلاك والحبال " مصايد " و " جبى ".و " ملاقف " يحجزون بها هذا السمك الشرع في الماء ثم يأتون في اليوم التالي فيجدونه محبوسا، وظنوا أنهم بذلك احتالوا على الله ولم يتفهموا معنى الصيد، فالصيد هو جعل السمك في حيازتك، وما دمت قد عملت بحيث تتمكن من حيازة السمك في أي وقت تكون قد اصطدت. إذن: فهم يحتالون على الله ولذلك قال سبحانه:
وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون
[الأعراف: 163]. وما دام الواحد منهم يفسق ويحل لنفسه شيئا حرمه ربنا عليه، فيوضح له ربنا: ما دمت قد فعلت ذلك فسوف أحرم عليك شيئا أحللته لك لأنك أعطيت لنفسك حرية في أن تحل ما حرمت، فأنا سأحرم ما أحللت لك.
وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون
[الأعراف: 164]. وهذا دليل على وجود عناصر خير فيما بينهم، وقالت عناصر الخير: اتقوا الله. فقال لهم آخرون: لم تعظون قوما الله مهلكهم، إذن فهناك ثلاث جماعات: جماعة خالفوا، وجماعة أرادوا أن يعظوهم كي لا يقعوا في المخالفة، وجماعة لاموا من يعظونهم وقالوا: دعوهم ليهلكهم الله أو يعذبهم،
الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا..
[الأعراف: 164]، فقالت الجماعة التي تعظ: نحن نريد بالوعظ أن يكون لنا عذر أمام الله بأننا لم نسكت على المنكر ونحن نعمل لأنفسنا.
قالوا معذرة إلى ربكم..
[الأعراف: 164] وأيضا فلعلهم يتقون ربهم بترك ما هم فيه من المعصية والفسق. فماذا حدث؟ يقول الحق:
فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون
[الأعراف: 165]. وما دام قد قال: " أنجينا " ، فهناك مقابلها وهو " أهلكنا " ، إذن فجاء هنا " اللعن " بمعنى الهلاك. ويختم الحق الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿ وكان أمر الله مفعولا ﴾ [النساء: 47] نعم لأن الحق سبحانه وتعالى بقدرته الشاملة وصفات جلاله الكاملة، لا يتخلف شيء في وجوده عن أمره، فإذا وعد بشيء فلا بد أن يحدث، فأمر الله غير أوامر البشر، فأوامر البشر هي التي تتخلف أحيانا سواء أكانت وعدا أم وعيدا، لأنك قد تعد إنسانا بخير، ولكنك ساعة آداء الخير لا تستطيعه، فتكون قدرتك هي التي تحتاج إلى أداء الخير.
أو توعد إنسانا وتهدده بشر، وستعمل فيه كذا غدا، وقد يأتيك غدا مرض يقعدك فلا تستطيع إنفاذ وعيدك. إذن: فأنت قد لا تستطيع إنفاذ شيء من وعدك ولا شيء من وعيدك لأن قدرتك من الأغيار، وما دامت قدرتك من الأغيار فقد توجد أو لا توجد. لكن الحق سبحانه وتعالى إذا قال بوعد أو قال بوعيد أيوجد شيء يغير هذا؟ لا، إذن فساعة يقول ربنا بوعد أو بوعيد فاعرف أن هذا سيحدث في الوعد، أما في الوعيد فإن الله قد يتجاوز عنه كرما وفضلا ما عدا الشرك بالله. ونعرف أن الحق سبحانه وتعالى يوزع الأحداث على الزمن، فلا زمن يقيده لأنه يملك كل الزمن، أما أنت كواحد من البشر فتتكلم عن الحدث حسب زمانه. فإن كان هناك حدث قد حصل قبل أن تتكلم أنت عنه، فتقول: فعل " ماض ". أي أن الحدث قد وقع في زمن قبل زمن تكلمك، وإن كان الحدث يقع في وقت تكلمك، كان الفعل " مضارعا " ، والمضارع صالح للحال وللاستقبال، تقول: فلان يأكل. وذلك يعني أنه يأكل الآن. وإن قلت: " سيأكل " أي: أنه سيأكل بعد قليل، فإذا قلت عن أمر مستقبل إن هذا الأمر سيحدث، أتملك أنت أن يحدث؟ لا. إذن فالكلام منك على الاستقبال قد يكذب وقد يصدق، لكن إذا قال الحق وأخبر عن أمر مستقبل وعبر عنه بالفعل الماضي فمعنى ذلك أنه حادث لا محالة ولذلك فالزمن عند ربنا ملغى. وعندما نقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: