حاضرة البحر..
[الأعراف: 163] والحاضر هو القريب. فيقال: حضر فلان أي أصبح على مقربة مني، و " الحاضرة " أيضا هي: التي إن طلبت فيها شيئا وجدته، كما قال شوقي - رحمة الله عليه:
ليلى بجانبي كل شيء إذن حضر
فكذلك " الحضر " معناه: أن كل حاجة فيها موجودة، أما البادية فحاجاتها تكون على قدر أهلها فقط، ولذلك ف " حضر " ضد " بادية " وأخذوا منها " الحواضر " مثل العواصم الآن، إذن فقوله:
حاضرة البحر..
[الأعراف: 163] تأخذها بمعنى قريبة من البحر، أو أنها هي البلد المتحضر على البحر، أو الجامعة لأنواع الخير على البحر، وهي التي كانت بين " مدين " و " الطور " واسمها " أيلة ". وقصتهم: أن الله أراد أن يبتليهم بشيء وهو: تحريم الصيد في ذلك اليوم، وما دامت
حاضرة البحر..
[الأعراف: 163]، فرزقهم على الصيد، فقال: لا تصطادوا في هذا اليوم، ولكن الله حين يريد أن يحكم الابتلاء ليعلم علم إبراز لخلقه مدى تنفيذهم للابتلاء، وإلا فهو عالم ماذا سيفعلون. فقال: لا تصطادوا في هذا اليوم. قد يقول قائل: لماذا حرم هذا الحدث في ذلك الزمن؟ نقول له: أنت تريد أن تعلم من الله أن كل تحريم له مضارة، نقول لك: لا، فقد يكون تحريم ابتلاء واختبار، ولذلك قال تعالى:
فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم..
[النساء: 160]. " الطيبات " هي الحلال، لكنهم هم فعلوا ما يستحقون عليه العقاب، فقلنا لهم: ما دمتم تجاوزتم حدودكم وأخذتم ما ليس حلا، فجعلتموه حلا فلا بد أن أجعل من الحل الذي هو لكم حراما عليكم، هذه مقابل تلك، فلماذا اجترأت على محرم فأحللته؟ وما دمت قد فعلت ذلك ولم ترتض تحليلي وتحريمي فأنا سآخذ شيئا من الذي كان حلا لك وأحرمك منه. إذن: فلا يتطلب من كل تحريم أن يكون فيه مضارة، إن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يكون الإيمان له أصول ثابتة، ولذلك يقول:
ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والأخرة ذلك هو الخسران المبين
[الحج: 11]. إذن: فالحق لا يريد من الناس أن يعبدوه على حرف أي على طرف من الدين بل في وسطه وقلبه أي أنهم على قلق واضطرابات في دينهم لا على سكون وطمأنينة، كالذي على طرف العسكر والجيش، فإن أحس بظفر ونصر وغنيمة سكن واطمأن، وإلا فر وطار على وجهه. هو يريد منك إيمانا حقا، ولذلك فبعض الناس يقول: سأزكي لأزيد من مالي. نقول له: أخرج من بالك ظنك أن مالك سيزيد، بل أنت تزكي لأن الله طلب منك أن تزكي. أما أن يزيد مالك فهذا شيء آخر، فلعل الله يبتلي إيمانك ويريد أن يرى: أأنت مقبل على الحكم لأن الله قاله، أم لأنه سيعطيك ربحا زائدا؟ وسبحانه حين يعطي ربحا زائدا ستزكيه أيضا، لكن هو يريد من يقبل على الحكم لأنه سبحانه قد قاله. وقد حرم الحق سبحانه وتعالى عليهم الصيد يوم السبت بظلم منهم، وكان من الجائز جدا ألا يكون هناك مغريات على المخالفة، ولكنه أراد أن يبلوهم بلاء حقا فيأتي في اليوم المحرم فيه الصيد ويكثر من السمك، ترى السمكة ظاهرة مثل شراع المركب، وهذا معناه إغراء بالمخالفة، فلو لم يظهر السمك في هذا اليوم لكانت المسألة عادية، لكنهم حين ينظرون السمك يجدونه قد " شرع " مثل المراكب سابحا في الماء،
إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم..
[الأعراف: 163]. إذن: فالابتلاء جاء من أكثر من زاوية: يوم سبتهم تأتي الحيتان شرعا، وفي غير يوم السبت لا تأتي، وهذا الأمر يجعلهم في حالة قلق. فلو كانوا على اليقين والإيمان لالتزموا بالأمر. والله سبحانه وتعالى يريد أن يمحصهم التمحيص الدقيق، فماذا هم فاعلون؟ هم يريدون أن ينفذوا الأمر، إنما طمعهم المادي يصعب عليهم ألا يصطادوا هاذا السمك الذي يأتيهم يوم السبت، ولو أنهم وثقوا بعطاء الله في المنع لنجحوا في الاختبار.