أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون
[النحل: 1]. و " أتى " هذه فعل ماض، وقوله: " أتى " يدل على أنه أمر قد حدث قبل أن يتكلم، وقوله: " فلا تستعجلوه " دل على أنه لم يحدث، فالذي يشكك في القرآن يقول: ما هذا الذي يقوله القرآن؟ يقول: " أتى أمر الله " وهو لم يأت؟ نقول له: هذا الكلام عندك أنت. لكن إذا قال الله: إنه " أتى " فهو آت لا محالة، فاحكم على الحدث المستقبل من الله على أنه أمر كائن كما يكون كائنا ماضيا، ما دام قال فلا راد لأمره. " أتى أمر الله " فهي تعني سيأتي. ولا توجد قدرة في خلقه تصرف مراده أو تعجزه عن أن يفعل. وقوله سبحانه: ﴿ وكان أمر الله مفعولا ﴾ [النساء: 47] جاء لأنه قال من قبل ﴿ أو نلعنهم.. ﴾ [النساء: 47] هذه مستقبل. وقد يقول قائل: أن ﴿ نلعنهم.. ﴾ [النساء: 47] تعني أن اللعنة لم تأت وقد لا تحدث، ونقول: لا لأن أمر الله كان مفعولا، فإياك أن تأخذ " نلعن " هذه التي للمستقبل كي تطبقها عند ربنا، لأن الحق سبحانه وتعالى يوضح لك: أنت الذي عندك المستقبل، والمستقبل قد يقع منك أو لا يقع لأنك لا تملك أسباب نفسك، تقول: سأعمل الشيء الفلاني غدا.
وقد يأتي غدا وتكون أنت غير موجود هذه واحدة، أو تقول: سأقابل فلانا. وفلان هذا قد لا يكون موجودا فقد يموت، أو قد يتغير رأيك ويأتيك الشيء الذي كنت تطلبه قبل أن تتكلم مع ذلك الإنسان، أو قد تقول: أنا سأنتقم من فلان، وعندما يأتي وقت الانتقام يهدأ قلبك. إذن: فأنت لا تملك شيئا من هذا، فلا يصح أن تجادل ولذلك يعلمنا الله الأدب مع الأحداث ومع الكون ومع المكون، ويخرجنا عن أن نكون كذابين فيقول لرسوله:
ولا تقولن لشاىء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشآء الله..
[الكهف: 23-24]. يعلمك الحق ذلك حتى لا تكون كذابا، فإن قلت: أنا فاعل ذلك غدا ثم لا تفعله، وما دمت لا تفعله فتكون كذابا مجترئا لأنك افترضت في نفسك القدرة على الوجود. وكل حدث من الأحداث مثلما قلنا: يحتاج إلى " فاعل " ، ويحتاج إلى " مفعول " يقع عليه، ويحتاج إلى " زمن " ويحتاج إلى " سبب " ، ويحتاج إلى " قدرة " تبرزه في المستقبل، قل لي بالله عليك: ماذا تملكه من عناصر الفعل؟ أنت لا تملك وجود نفسك ولا تملك وجود المفعول ولا تملك السبب، ولا تملك القدرة، ولا تملك شيئا، فأدبا منك عليك أن تقول: " إن شاء الله " فإن لم يحدث تقول: أنا قلت إن شاء الله وهو لم يشأ، فتكون قد خرجت من التبعة، ولم تكن كذابا. إذن: فقول الحق: ﴿ وكان أمر الله مفعولا ﴾ [النساء: 47] لأنه قال: ﴿ أو نلعنهم.. ﴾ [النساء: 47]. و " نلعن " هذا فعل مضارع ويأتي من بعد ذلك، فواحد قد يقول: إنه سبحانه قال: سيلعن، فهل ستتحقق اللعنة؟ نقول له: نعم لأنه قال: ﴿ وكان أمر الله مفعولا ﴾ [النساء: 47]. وكذلك ساعة تقرأ أو تقول:
وكان الله عفوا غفورا
[النساء: 99]. فعليك أن تضيف: ولا يزال غفورا رحيما، لأن صفة الرحمة لم توجد له ساعة وجد المرحوم، لا، بل معنى " رحيم " أنه سبحانه يرحم غيره والذي وجد ليتلقى رحمته سبحانه إنما جاء بعد أزلية رحمة الله ومغفرته. فسبحانه أزلي قديم. والصفة أزلية وقديمة بقدمه سبحانه قبل أن يوجد من يرحمه، وهو لا تأتيه أغيار. وما دام سبحانه رحيما قبل أن يوجد مرحوما له فإذا أوجد مرحوما له، أتنحل الصفة أم تبقى؟ إنها باقية دائما فكان الله ولا يزال غفورا رحيما، ﴿ وكان أمر الله مفعولا ﴾ [النساء: 47] نعم، لأنه قد يفعله بأسبابه وقد يفعله بدون أسباب فالأمر متروك لمشيئته فإما أن يوجد الشيء من غير سبب أو يوجده بسبب، والشيء الموجود بالسبب مخلوق بالمسبب فسبحانه خلق الأسباب. وبعد ذلك ينقلنا الحق سبحانه إلى قضية عقدية أساسية في صلة الإنسان بالحق سبحانه وتعالى. فيقول: ﴿ إن الله لا يغفر... ﴾.