تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذن: فكل ذلك طرد. فإن أردنا الخزي والهوان يتأتى اللعن، وإن أردنا الإهلاك فقد هلك منهم الكثير في المعارك ونالوا الخزي والهوان لأننا سبينا نساءهم وبناتهم، وقهرناهم، وأهلكناهم، وأخرجناهم من ديارهم إلى بلاد الشام وإلى أذرعات، وأهلكهم الله بالموت. إذن: فكل معاني الطرد تتأتى. فقد جاء يمس كل الذي حدث لهم، ولكنه يختلف باختلاف الطارد، وباختلاف المطرود، وباختلاف المطرود منه. وحين يقول الحق: ﴿ كما لعنآ أصحاب السبت ﴾ [النساء: 47] فهذا يدل على أن اللعن له أشياء مختلفة، أنا سآخذ منها لعن أصحاب السبت، والسبت يوم من أيام الأسبوع، أي وحدة زمنية في الأسبوع، ونلحظ أن بقية أيام الأسبوع السبعة فيها إشارات إلى العدد، يوم الأحد يعني واحدا ويوم الاثنين تعني اثنين. وهكذا في الثلاثاء والأربعاء والخميس، ففيه خمسة أيام بأعداد موجودة إلا يومين اثنين لم يؤثر فيهما العدد: يوم " الجمعة " ، ويوم " السبت " ، وهذان اللفظان أخذا معاني غير العددية، ولكنهما يأخذان معنى العددية بالبعدية أو القبلية. يعني: عندما نقول مثلا " الخميس " فيكون يوم الجمعة يعني " ستة " ، إنما لم يقل " ستة " وقال " الجمعة " ويوم " السبت " يكون سبعة، إذن فأنت تستطيع أن تضع العدد البعدي بعد الأعداد: واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة، سبعة، لكننا نجد أن لهما اسمين مختلفين لأن في كل واحد منهما حدثا غلب العددية. ف " الجمعة " للاجتماع، فتركنا كلمة " ستة " وأخذنا بدلا منها " الجمعة " ، و " السبت " للسكون لأن مادتها في اللغة: سبت يسبت، أي سكن وهدأ ولم يتحرك، مثل قول الحق:

وجعلنا نومكم سباتا

[النبأ: 9]. أي سكونا وهدوءا. والحق سبحانه وتعالى حين يريد ابتلاء بعض خلقه ليعلم منازلهم من الإيمان واليقين والانصياع لأوامر الحق، يأتي فيحرم حدثا في زمن وهو مباح في غير ذلك الزمن، فقد يحرم الصيد في أحد الأيام وكان مسموحا بأن يصطادوا في كل يوم. وكانوا يأتون بالسمك كرزق من البحر، فجاء في هذا اليوم خصوصا وقال لهم: لا تصطادوا في هذا اليوم، أي أن يسكنوا عن الحركة، هذا هو " السبت " بمعنى السكون، و ﴿ أصحاب السبت ﴾ [النساء: 47] هم الجماعة الذين اجتمعوا على حادثة تتعلق بالسبت أو تتعلق بالسكون، أي تتعلق بعدم العمل وبعدم الحركة، وقضية أصحاب السبت شرحها الحق وتكلم عنها إجماليا في سورة البقرة:

ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت..

[البقرة: 65]. وقوله هنا: ﴿ كما لعنآ أصحاب السبت ﴾ [النساء: 47]، لكن القصة بالتفصيل ذكرها الحق سبحانه وتعالى وقال مخاطبا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالله الآمر، والرسول هو الذي سأله الله أن يسأل، والمسئولون هم أصحاب الحكاية وهم اليهود، وحين يطلب الحق خبرا مؤكدا من الأخبار، قد يلقيه خبرا فيصدقه أهل اليقين الذين يثقون في الله ويصدقونه، وقد لا يتركه خبرا، بل يأتي به في صيغة الاستفهام لأنه واثق أن المستفهم منه لا يجد جوابا إلا الحق الذي يريده سبحانه وتعالى، وعندما يقول ربنا لنبيه:

وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون

[الأعراف: 163]. ذلك حدث لا يستطيعون إنكاره، وكان من الممكن أن يقص الله الحدث من عنده، ولكنه يريد أن يوثق الحدث توثيقا لا يحتمل إنكار منكر ولا مكابرة مكابر، فأوضح: أنا لا أقول عن الحدث، ولكن يا محمد اسألهم أنت عن هذه الحادثة فسيكون جوابهم جوابا مطابقا لما حدث لأنها مسألة واضحة لا تنكر.

وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر..

[الأعراف: 163] وكلمة " قرية " نأخذها من " القرى ". والقرى هو أن تكرم واحدا مقبلا عليك كضيف مثلا، ولكن ليس عندك ما يعطيه " قرى كاملا " أي ما يقيم حياته لأيام أو شهور، بل عندك " قرية واحدة " ، أي أكلة واحدة تكفيه لوجبة واحدة، فما دام قد مر عليك فأنت تعطيه قرية واحدة - وجبة واحدة - فإن كانت البلد " أم القرى ": فيكون فيها حاجات كثيرة أو لأنها أعظم القرى شأنا والقرية التي جاء ذكرها في سورة الأعراف يتم تعريفها بأنها:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٩٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٩٨٥