فقد روي
" أن عبد الله بن سلام لما سمع بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه فنظر إلى وجهه الكريم فعلم أنه ليس بوجه كذاب، وتأمله فتحقق أنه النبي المنتظر، فقال له: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول شرائط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ والولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ فقال عليه السلام: " أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما الولد فإن سبق ماء الرجل نزعه، وإن سبق ماء المرأة نزعته " فقال: أشهد أنك رسول الله حقا فقام ثم قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت فإن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني عندك، فجاءت اليهود فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: أي رجل عبد الله فيكم؟ فقالوا: خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا، قال: أرأيتم إن أسلم عبد الله؟ قالوا أعاذه الله من ذلك، فخرج إليهم عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فقالوا: شرنا وابن شرنا وانتقصوه، قال: هذا ما كنت أخاف يا رسول الله وأحذر ".
قال سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على الأرض: إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، وفيه نزل:
قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله..
[الأحقاف: 10]. ﴿ من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارهآ.. ﴾ [النساء: 47] فإن أردنا طمس الوجه حقيقة، فهو الأمر الذي خاف منه عبد الله بن سلام وكعب الأحبار، هذا ذهب إلى رسول الله وذاك ذهب إلى عمر، وكل منهما كان يمسك وجهه خشية أن يطمس، إذن فقوله: ﴿ نطمس وجوها ﴾ [النساء: 47] أي نجعلها مثل " القفا " مجرد قطعة لحم من غير تمييز، أو نحول بينهم وبين قصدهم أي لا نمكنهم من الوصول إلى ما يريدون من صدهم الناس عن الإيمان برسول الله، { من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارهآ أو نلعنهم.
. } [النساء: 47] أو أن نطردهم من رحمتنا ومن ساحة إيماننا، فيقول الحق:
ختم الله على قلوبهم..
[البقرة: 7]. ما داموا هم قد كفروا نقول لكل منهم: ألم تكن تريد أن تكفر؟ والله سيزيد لك الختم على قلبك وسنعينك على هذه الحكاية أيضا، قال تعالى:
في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا..
[البقرة: 10]. فإذا كنت أنت تريد هذه فسنعطيك ما في نفسك ﴿ فنردها على أدبارهآ أو نلعنهم كما لعنآ أصحاب السبت.. ﴾ [النساء: 47] وسبحانه يخاطب اليهود، واليهود يعرفون قصة السبت ويعرفون أنها واقعة حدثت، وطردهم الله وأهلكهم ولعنهم وأعد لهم عذابا عظيما. إذن فهو لا يأتيهم بمسألة وعيد بدون رصيد، لا، فهذا وعيد يسبقه رصيد، أنتم - يا معشر يهود - تؤمنون به وتذكرونه وله تاريخ عندكم، ﴿ كما لعنآ أصحاب السبت.. ﴾ [النساء: 47]، وقصة أصحاب السبت معروفة وإن كانت ستأتي في سورة أخرى، و " السبت " وهو السكون والراحة، ومنه السبات أي النوم، فسبت يسبت يعني سكن واستقر وارتاح. ﴿ أو نلعنهم كما لعنآ أصحاب السبت ﴾ [النساء: 47]، واللعن قالوا فيه: إنه الطرد والإهانة، وقالوا في معناه: إنه الإهلاك. والذين يحاولون أن يشككوا في مفهومات آيات القرآن يقولون: أنتم لا تقفون عند معنى واحد للكلمة، إما أن يراد كذا، وإما أن يراد كذا. نقول لهم: أنتم ليست لكم ملكة في اللغة حتى وإن تعلمتم اللغة فتعلمكم للغة تعلم صنعة لا تعلم ملكة. وتعلم الصنعة يعطيك القاعدة ولكن لا يعطيك قدرة وضع اللفظ في معناه الحقيقي ولا بيان المراد منه - واللعن - إذا كان معناه الطرد - كان يجب أن تفهموا أن الطرد يقتضي طاردا، ويقتضي مطرودا، ويقتضي مطرودا منه. ومن الذي يطرد؟ ومن الذي يطرد؟ وعن أي شيء يطرد؟ حين تأخذون المعنى على هذا الوضع لا تجدون غضاضة في أن تتعدد معاني الطرد. فهب أنك تجلس للأكل ثم جاءك كلبك الذي تعتز به للحراسة ليحوم حول مائدتك، ماذا تصنع له؟ تطرده عن المائدة، ذلك طرد، وهب أن ابنك مثلا صنع شيئا وعندك ضيوف فأردت أن تخرجه من المجلس وقلت له: اذهب عند أمك، هذا طرد. وإذا كان ذنب الابن كبيرا ولك سيطرة فأنت قد تخرجه من البيت فلا يجلس فيه، وهذا طرد، وإذا كان ذنب الابن لا يحتمل فأنت تخرجه من القرية، وهذا طرد، فإذا كان هناك إنسان قد أذنب ذنبا كبيرا وكنت صاحب قوة نافذة فأنت تخرجه من الحياة كلها فتكون قد أبعدته من الحياة كلها.