والإيمان حدث يقتضي محدثا هو: من آمن، إذن: فعندي حدث وفاعل الحدث، فساعة تسمع استثناء تقول: هذا الاستثناء صالح أن يكون للحدث، وصالح أن يكون لفاعل الحدث، كلمة ﴿ فلا يؤمنون إلا قليلا ﴾ [النساء: 46] تعني: فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا لأنهم يؤمنون قليلا بالصلاة، وبأنهم لا يعملون يوم السبت، أما بقية مطلوبات الإيمان فليست في بالهم ولا يؤدونها، أو فلا يؤمنون إلا قليلا فقد يكون بعض منهم هو الذي يؤمن، وهذا صحيح عندما نقوله لأن بعضا منهم آمن بالفعل، ونجد أيضا أنهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، فيكون إيمانهم قليلا بالحدث نفسه. وهناك أناس منهم بعدما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلي القرآن ورأوا صورته فوجدوه مثلما وصف عندهم تماما فآمنوا، ولكن هل آمن كل يهود، أو آمن قليل منهم؟ آمن قليل منهم مثل: عبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، إنما عبد الله بن صوريا، وكعب بن أسد، وكعب بن الأشرف وغيرهم من اليهود فلم يؤمنوا. إذن: فإن أردت أن بعضا " قليلا منهم " هو الذي آمن فهذا صحيح، ويصح أيضا أن الكافرين منهم كانوا يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، وفي ذلك تعبير من الحق سبحانه وتعالى نسميه " صيانة الاحتمال " لأن القرآن ساعة ينزل بمثل هذا القول فمن الجائز - وهذا ما حدث - أن هناك أناسا من اليهود يفكرون في أنهم يعلنون الإيمان برسول الله، فلو قال: " فلا يؤمنون " فقد لكان من الصعب عليهم أن يعلنوا الإيمان - لكن عندما يقول: ﴿ إلا قليلا ﴾ [النساء: 46] فالذي عنده فكرة عن الإيمان يعرف أن الذي يخبر هذا الإخبار عالم بدخائل النفوس، فصان بالاحتمال إعلان هؤلاء القلة للإيمان. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ يا أيهآ الذين... ﴾.
خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٩٨٢
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
خواطر محمد متولي الشعراويص ٩٨٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي