وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي..
[إبراهيم: 22]. والسلطان هو: القوة العالية التي تجبر من دونها، فالإنسان تجبر مادته وبنيته بسلطان القهر المادي، ويقهر في اعتقاداته بالدليل والحجة. والإكراه في المادة إنما يتحكم في القالب، لكنه لا يتحكم في القلب، فقد تكون ضعيفا أمام واحد قوي ولكنك تمسك له سوطا وتقول له: اسجد لي. اخضع، فيسجد لك ويخضع. وأنت بذلك تقهر القالب، لكنك لم تقهر القلب، هذا هو السلطان المادي الذي يقهر القالب، لكن إذا جاء لك إنسان بالحجج وأقنعك، فهذا قهر إقناع، وقدرة قهر العقول بالإقناع نوع من السلطان أيضا. إذن فالسلطان يأتي من ناحيتين: سلطان يقهر القالب، وسلطان يقهر فقه القلب، فسلطان القالب يجعلك تخضع قهرا عنك، وسلطان الحجة والبرهان يجعلك تفعل برضى منك، والشيطان يقول لمن اتبعوه: يا من جعلتموني قرينا لكم لا تفارقوني، أنتم أغبياء فليس لي عليكم سلطان، وما كان لي من القوة بحيث أستطيع أن أرغمكم على أن ترتكبوا المعاصي، وما كان عندي منطق ولا حجة لكي أقنعكم أن تفعلوا المعاصي، لكنكم كنتم غافلين، أنا أشرت لكم فقط فلست أملك قوة أقهر مادتكم بها، ولا برهان عندي لأسيطر على عقولكم:
وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم..
[إبراهيم: 22]. إذن فالخيبة منكم أنتم ولذلك يقول الحق:
مآ أنا بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخي..
[إبراهيم: 22]. ماذا يعني " بمصرخكم "؟ إنها استغاثة واحد في أزمة لا يقدر عليها وضاقت به الأسباب، عندئذ يستنصر بغيره، فيصرخ على غيره، أي يناديهم لإنقاذه ولنجدته، فالذي يستجيب له ويأتي لإنقاذه يقال له: أزال صراخه، إذن فأصرخه يعني سارع وأجاب صرخته، والشيطان يقول: إن استنجدتم بي فلن أنجدكم وأنتم لن تنجدوني، فكل واحد منا عرف مسئوليته وقدرته. وبالنسبة للإنسان فقد قال الحق:
وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه..
[الإسراء: 13]. فمن يتخذ الشيطان قرينا،
فسآء قرينا..
[النساء: 38] وكلمة " ساء " مثل كلمة " بئس " كلتاهما تستعمل لذم وتقبيح الشيء أي، فبئس أن يكون الشيطان قرينا لك لأن الشيطان أخذ على نفسه العهد أمام الله ألا يغوي من يطيعه سبحانه ويغوي من سواهم من الناس أجمعين. وعندما نتأمل الآية، نجد أن الحق يقول: ﴿ والذين ينفقون أموالهم رئآء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قرينا فسآء قرينا ﴾ [النساء: 38]. فالآية إذن تتناول لونا من الإنفاق يحبط الله ثوابه. فنفقة المرائي تتعدى إلى نفع غيره لكن لا ينتفع المرائي منها، بل تكون قد أنقصت من ماله ولم تثمر عند ربه. والحق يلفتنا إلى أن ذلك كله راجع إلى معوقات الإيمان الذي يتطلب من الإنسان أن يكون في كل حركات حياته على منهاج ربه، هذه المعوقات تظهر في النفس البشرية وفي شهواتها التي تزين الإقبال على المعصية للشهوة العاجلة، وتزين الراحة في ترك الأوامر، والشيطان أيضا يتمثل في المعوقات، والشيطان كما نعلم: اسم للعاصي من الجنس الثاني من المكلفين وهم الجن ويتمثل في إبليس وفي جنوده، ويطلق على كل متمرد من الإنس أيضا يقول تعالى:
وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا..
[الأنعام: 112] وأنت حين تريد أن تعرف المعوق أهو من نفسك أم من الشيطان؟ فانظر إلى نفسك حيال المعصية، أهي معصية تدفعك نفسك أن تأتيها وحدها، أم معصية إن عز عليك أن تفعلها فأنت تنتقل إلى معصية سواها؟ هل هي معصية ملازمة أو معصية تنتقل منها إلى غيرها؟ فهب أن إنسانا كانت معصية نفسه في أن يشتهي ما حرم عليه، أو أن يسرق مال غيره، نقول له: أوقفت في المعصية عند هذه بحيث لا تتعداها إلى غيرها؟ يقول نعم. فبقية المعاصي لا ألتفت إليها.. نقول: تلك شهوة نفس، فإن كانت المعصية حين تمتنع عليك من سرقة مثلا فأنت تلتفت إلى معصية أخرى. فهذا لون من المعاصي ليس من حظ النفس، وإما هو حظ الشيطان منك لأن الشيطان يريد العاصي عاصيا على أي لون من المعصية، فإن عز عليه أن يلوي زمامه إلى لون من المعصية، انتقل إلى معصية أخرى لعله يصادف ناحية الضعف فيه. لكن النفس حين تشتهي فإنها تشتهي شيئا بعينه، فأنت إذن تستطيع أن تعرف المعوق من قبل نفسك أم من قبل الشيطان، فإن وقفت عند معصية واحدة لا تتعداها وتلح عليك هذه المعصية، وكلما عز عليك باب من أبوابها تجد بابا آخر لتصل إليها، فتلك شهوة نفسك. وإن عزت عليك معصية تنتقل إلى معصية أخرى فهذا من عمل الشيطان لأن الشيطان لا يريد عاصيا من لون واحد، وإنما يريدك عاصيا على إطلاقك. وعداوة الشيطان - كما نعلم - هي عداوة مسبقة فقد امتنع الشيطان عن السجود لآدم بحجة أنه خير من آدم. وحذر الله آدم. ولابد أن آدم عليه السلام قد نقل هذا التحذير لذريته وأعلمهم أن الشيطان عدو. ولكن الغفلة حين تسيطر على النفوس تفسح مجالا للشيطان لينفذ إلى نفس الإنسان، والشيطان - كما نعرف - لا يأتي للعاصي الذي تغويه نفسه لأن العاصي تكفيه نفسه لذلك يأتي الشيطان للطائع ليفسد عليه طاعته، ولهذا يقول الله عنه: