تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" إن الله تعالى إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم وكل أمة جاثية، فأول من يدعو به رجل جمع القرآن، ورجل قتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول الله للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى يا رب، قال: فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله له: كذبت وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله له: بل أردت أن يقال: فلان قارئ فقد قيل ذلك، ويؤتي بصاحب المال.... ".

لكن هل قال لك الدين: لا تفعل؟ لا، افعل لينتفع الناس بالرغم منك. والبخيل عندما يكثر ماله يكون قد حرم على نفسه هذا المال ثم يأتي ابن له يريد أن يستمتع بالمال، ولذلك يقال في الريف: مال الكنزي للنزهي، ولا أحد بقادر أن يخدع خالقه أبدا!! فسبحانه يوضح: أنا أعطيتك نعمة أنت لم تعطها لأحد، لكني سأيسر السبيل لطائع لي، إياك أن تظن أنك خدعتني عندما بخلت، فبخلك يقع عليك. إذن فأنت قد ضيقت رزقك بالبخل ولو أنفقت لأعطاك الله خيرا كثيرا

ومآ أنفقتم من شيء فهو يخلفه..

[سبأ: 39] لكنك تركته لورثتك وسيأخذونه ليكون رزقهم متسعا، وأيضا فإنك حين تمنع المال عن غيرك فأنت قد يسرت سبيلا لمن يبذل.

كيف؟ لنفرض أن إنسانا كريما، وكرمه لا يدعه يتوارى من السائل، والناس لها أمل فيه. وبعد ذلك لم ينهض دخله بتبعاته، فإن كان عنده " فدانان " فهو يبيع فدانا ليفرج به على المحتاجين، وعندما يبيع الفدان سيشتريه من يكتنز، فيكون المكتنز قد يسر سبيلا للكريم، فإياك أن تظن أنك قادر على خداع من خلقك وخلق الكون وأعطاك هذه النعمة، وهذا يشبه صاحب السيئة الذي من الله عليه بالتوبة والرجوع إلى الله، إننا نقول له: إياك أن تعتقد أنك اختلست شهوة من الله أبدا. أنت اختلست شهوة ستلهبك أخيرا، وتجعلك تفعل حسنات مثلها عشرين مرة، لأنه سبحانه قد قال:

إن الحسنات يذهبن السيئات..

[هود: 114]. فأنت لن تضحك على خالقك لأنه سيجعلها وراءك، فتعمل خيرا كثيرا، كذلك البخيل نقول له: ستيسر سبيلا لكريم بذال، والحق سبحانه وتعالى بين في آخر الآية السبب الذي حمله على ذلك، إن الأسباب متعددة. لكن تجمعها كلمة " شيطان " ، فكل من يمنعك من سبيل الهدى هو شيطان، ابتداء من شهوات نفسك وغفلة عقلك عن المنهج، إنها قرين سوء يزين لك الفحشاء، ويزين لك الإثم، إن وراء كل هذه الأمور شيطانا وسوس إليك، وكل هؤلاء نسميهم " شيطانا " لأن الشيطان هو من يبعدك عن المنهج، وهناك شياطين من الجن، وشياطين من الإنس، فالنفس حين تحدث الإنسان ألا يلتزم بالمنهج لأن التزامه بالمنهج سيفوت عليه فرصة شهوة - هي شيطان. إن النفس التي ترى الشهوة العاجلة وتضيع منها شهوة آجلة لا حدود لها - هي شيطان. فالشيطان إذن هو الذي جعلهم يبخلون ويأمرون الناس بالبخل، وهذا الشيطان وساعة يكون قرينا للإنسان، فمعنى ذلك أنه مقترن به، والقرن بكسر القاف - هو من تنازله. وكلمة " قرن " تطلق أيضا على فترة الزمن هي مائة عام لأنها تقرن الأجيال ببعضها، فالشيطان قرين أي ملازم لصاحبه ومقترن به، فيقول الحق:

ومن يكن الشيطان له قرينا فسآء قرينا

[النساء: 38]، أي بئس هذا القرين لأنه القرين الذي لا ينفعني ولا يصدني عن مجال ضار. ولذلك فالناس قد يحب بعضهم بعضا في الدنيا لأنهم يجتمعون على معصية. أما في الآخرة فماذا يفعلون؟ يقول الحق:

الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين

[الزخرف: 67]. لأن المتقين يعين بعضهم بعضا على الطاعة، فالواحد منهم يقول لصاحبه: كنت تعينني على الطاعة، كنت توجهني وتذكرني إن غفلت، فيزداد الحب بينهما. لكن الإنسان يلعن من أغواه وأول من نلعن يوم القيامة نلعن الشيطان، وكذلك الشيطان أول ما يتبرأ يتبرأ منا ولذلك فعندما تحين المجادلة نجد الشيطان يقول لمن أغواهم وأضلهم:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٩٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٩٥٦