تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويقول القرآن الكريم في هذا الموقف:

هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزآئن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون

[المنافقون: 7]. لقد أخطأوا الظن بمن آمنوا برسول الله، ظنوا أنهم إن لم ينفقوا عليهم فسيرتدون عن إيمانهم. ونسوا أن المؤمنين المهاجرين قد تركوا أموالهم وتركوا بلادهم، فمن ترك أمواله للهجرة في سبيل الله أيكفر به عندما لا يجد شيئا؟ لا لأنه ترك كل شيء في سبيل الله. وهاهو ذا سيدنا مصعب بن عمير المدلل في قريش، وكانت أمه تغدق عليه النعمة وهو صاحب العطور، وبعد ذلك يذهب إلى المدينة، فيلبس جلد شاة، فينظر له النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه: انظروا كيف صنع الإيمان بصاحبكم، فعندما يقول المنافقون كعبد الله بن أبي للأنصار: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، يظنون أن المؤمنين يمكن أن يبيعوا إيمانهم بلقمة وكأنهم نسوا أن الذي يبيع إيمانه باللقمة هو من يحمل على مبدأ باطل، لكن من يعتنق ويعتقد مبدأ حق يجد حلاوته في النفس، وأجره مدخر عند ربه. إنه لا يتحول عنه. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: " فجئت المسجد، فطلع علينا مصعب بن عمير في بردة له مرقوعة بفروة، وكان أنعم غلام بمكة وأرفه، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ما كان فيه من النعيم، ورأى حاله التي هو عليها فذرفت عيناه عليه، ثم قال: أنتم اليوم خير أم إذا غدي على أحدكم بجفنة من خبز ولحم؟ فقلنا: نحن يومئذ خير نكفى المؤنة ونتفرغ للعبادة، فقال:

" بل أنتم اليوم خير منكم يومئذ ".

وقلنا: يجب أن تذكروا جيدا أن من حلاوة اليقين وحلاوة الإيمان أن المؤمن يضحي بكل شيء في سبيل رفعة الإيمان، لكن أصحاب المبادئ الباطلة لا يدخلون غيرهم فيها إلا إن دفعوا الثمن مقدما، أي أنهم يشترونهم. فإذا رأيت مبدأ من المبادئ يشتري البشر فاعرف أنه مبدأ باطل، ولو كان مبدأ حق لدفع الإنسان من أجل أن يدخل فيه نفيس ماله، بل ويضحي في سبيله بنفسه أيضا. ومن عجائب مبادئ الإسلام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أخذ العهد لنفسه في بيعة العقبة، قال له الأنصار: فإن نحن وفينا بهذا فماذا يكون لنا؟ كأنهم يقولون: أنت أخذت مالك فماذا يبقى لنا؟. انظروا إلى سمو الإيمان، ويقين المصطفى بأن الإيمان نفسه جائزة، فهل بشرهم بأنهم سيملكون الأرض؟ هل بشرهم بأن هؤلاء المستضعفين هم الذين سيمكنون فيها؟ لا، بل قال لهم: لكم الجنة. فلو قال لهم: لكم سيادة الدنيا، لكان في ذلك نظر، صحيح أن الدنيا دانت وخضعت لهم، لكن منهم من مات قبل أن تدنو له الدنيا وتذل، فأين صدق النبوءة؟.

إذن فقد قال لهم عن الشيء المضمون، الشيء الذي يجد المؤمن فيه نفسه من فور أن يموت. قال لهم: لكم الجنة. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وحوله عصابة من أصحابه -:

" تعالوا بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوني في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فأمره إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه ".

لم يغرهم بأنهم سيكونون أصحاب سلطان، ولم يقل لهم: أنتم ستجلسون على البسط والدنيا ستدين لكم، إنما قال لهم في أول البيعة: لكم الجنة، فإياكم أن يطمع أحد منكم في شيء إلا في الجنة ولذلك فالأنصار محبوبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما كانت غزوة حنين وأعطى المهاجرين بعضا من الغنائم ولم يكن للأنصار منها شيء، وجد الأنصار في نفوسهم.. فلفتهم رسول الله لفتة إيمانية وقال لهم:

" ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت أمرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا آخر لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار. "

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٩٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٩٥٣