تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

. أليست هذه هي المعاملة الطيبة! قال الله: ﴿ وما ملكت أيمانكم.. ﴾ [النساء: 36]. وبعد ذلك يجيء الحق سبحانه وتعالى في ختام الآية بما يدك كبرياء ذي الإحسان، فإياك أن تكون النعمة أو البذل الذي ستبذله يعطيك في نفسك غرور الاستعلاء لأن غرور الاستعلاء هذا يكون استعلاء كاذبا. وأنت إذا استعليت على غيرك بأعراض الحياة، فهذه الأعراض تتغير، ومعنى " أعراض " أنها تأتي وتزول. فالذي يريد أن يستعلي ويستكبر فعليه أن يستعلي ويستكبر بحاجة ذاتية فيه ولذلك لا يوجد كبرياء إلا لله، إنما الأغيار من البشر. فنحن نرى من كان قويا يصير إلى ضعف، ومن كان غنيا يصير إلى فقر، ومن كان عالما يصبح كمن لا يعلم:

لكيلا يعلم من بعد علم شيئا..

[الحج: 5]. فلا كبرياء إذن لمخلوق، ومن يريد أن يستعلي ويتكبر على غيره فليتكبر - كما قلنا - بحاجة ذاتية فيه، أي بشيء لا يسلب منه، والخلق كلهم في أغيار، والوجود الإنساني تطرأ عليه الأغيار، إذن فاجعل الكبرياء لصاحبه، وإياك أن تظن أنه عندما قلنا لك: اعمل كذا وأحسن لذي القربى واليتامى والمساكين، إياك أن تحبط هذه الأعمال بأن تستعلي بها لأنها موهوبة لك من الله، وما دامت موهوبة لك من الله فاستح لأن الذي يتكبر هو الذي لا يجد أمام عينه من هو أكبر منه. هات واحدا يتكبر لأن عنده مليونا من الجنيهات ثم دخل عليه واحد آخر عنده أكثر منه ماذا يفعل؟ إنه يستحي ويتضاءل، ولا يتكبر الإنسان إلا إذا وجد كل الموجودين أقل منه، لكنه لو ظل ناظرا إلى الله لعلم أن الكبرياء لله وحده. إذن فعندما يتكبر المتكبر، إنما يفعل ذلك لأن الله ليس في باله. لكن لو كان الحق المتكبر بذاته في باله لاستحى، فإذا كان في بالك من يعطيك لاستحييت. إذن فمعنى المتكبر أن ربنا غائب عن باله لذلك يقول الحق في ختام الآية: ﴿ إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ﴾ [النساء: 36]. وما " الاختيال "؟ وما " الفخر "؟. إن المادة كلها تدل على زهو الحركة، ولذلك نسمي الحصان " خيلا " لأنها تتخايل في حركتها، وعندما يركبها أحد تتبختر به ولذلك نسمي الخيلاء من هذه. إذن " الاختيال ": حركة مرئية، " والفخر " حركة مسموعة، فالحق ينهى الإنسان عن أن يمشي بعنجهية، كما نهاه عن أن يسير مائلا بجانبه ولا أن يعتبر نفسه مصدرا للنعمة حتى لا ينطبق عليه قوله سبحانه:

ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق * ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد

[الحج: 9-10]. أما الفخر فهو أن يتشدق الإنسان بالكلام فيحكي عما فعل وكأنه مصدر كل عطاء للبشر، والخيلاء والفخر ممنوعان، وعلى المسلم أن يمتنع عن الحركة المرئية وعن كلام الفخر، ولماذا جاء الحق بهذا هنا؟ إنه جاء به حتى لا يظن عبد أنه يحسن إلى غيره من ذاتيته، إنه يحسن مما وهبه الله. ولا يصح أن تستخدم من أحسنت إليهم وتتخذهم عبيدا لأنك تحسن عليهم. وعندما تنظر إلى سيادتك على هؤلاء لأنك تعطيهم، فلماذا لا تنظر إلى سيادة من أعطاك؟ إنك عندما تفعل ذلك وتنظر إلى سيادة خالقك فإنك قد التزمت الأدب معه وبعدت عن الاختيال والفخر بما قدمت لغيرك، يقول الحق: ﴿ إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ﴾ [النساء: 36]. وبعدما قال الحق: ﴿ وبالوالدين إحسانا.. ﴾ [النساء: 36] قال: ﴿ وبذي القربى واليتامى.. ﴾ [النساء: 36]. وتحدث عن البذل والأريحية والجود والسماح وبسط اليد، أتى سبحانه بالحديث عن المقابل وهو: ﴿ الذين يبخلون ويأمرون الناس... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٩٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٩٥١