" الجيران ثلاثة: فجار له حق واحد، وهو أدنى الجيران حقا. وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق: فأما الذي له حق واحد فجار مشرك لا رحم له، له حق الجوار، وأما الذي له حقان فجار مسلم له حق الإسلام وحق الجوار، وأما الذي له ثلاثة حقوق فجار مسلم ذو رحم له حق الإسلام وحق الجوار وحق الرحم ".
ويقول صلى الله عليه وسلم في حق الجار:
" ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ".
أي سيجعل له من الميراث، وما هي حدود الجار؟ حدوده: الأقرب بابا إليك، إلى أربعين ذراعا، وقالوا: إلى أربعين دارا، هنا يقول الحق: ﴿ والجار ذي القربى.. ﴾ [النساء: 36]. فأعطاه حق القربى وحق الجوار، وقال ﴿ والجار الجنب.. ﴾ [النساء: 36]. لأن فيه جارا قريبا وجارا بعيدا وقوله: " الجنب " أي البعيد، { والصاحب بالجنب.
. } [النساء: 36] " الصاحب " هو المرافق. ﴿ بالجنب.. ﴾ [النساء: 36] أي بجانبه. قالوا: هو الزوجة أو رفيق السفر لأن الرفقاء في السفر مع بعضهم دائما، أو التابع الذي يتبعك طمعا فيما عندك من الرزق سواء كان الرزق مالا أو علما أو حرفة يريد أن يتعلمها منك فهو الملازم لك، والخادم أيضا يكون ﴿ بالجنب.. ﴾ [النساء: 36] وكل هذا يوسع الدائرة للإحسان، ولو حسبت هذه الدوائر لوجدتها كلها متداخلة. وها هو ذا النبي عليه الصلاة والسلام يقول لأبي ذر رضي الله عنه:
" يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك ".
والمهم أن تتواصل مع جارك، أو الجار ذي القربى: أي الذي قربته المعرفة، وكثير من الجيران يكون بينهم ود، وهناك جار لا تعرف حتى اسمه، فهذا هو " الجار الجنب " ، و ﴿ والصاحب بالجنب وابن السبيل.. ﴾ [النساء: 36] وابن السبيل، فقد تقول مثلا: فلان بن فلان، كأنك لا تعرف أباه، أو تقول: فلان ابن البلد الفلانية أي لا تعرف عنه شيئا سوى أنه منسوب لبلد معين، وعندما تقول: ابن سبيل تعني أنه غريب انقطعت به كل الأسباب حتى الأسباب التي يمكن أن تعرفه بها، فساعة تراه تقول " ابن السبيل " أي ابن طريق، ولا تجد مكانا ينسب إليه إلا الطريق، لا يجد أبا ينسب إليه، لا يجد أما، لا يجد قبيلة، لا تعرف عه شيئا. ﴿ وما ملكت أيمانكم.. ﴾ [النساء: 36] وسبق أن تكلمنا عن ملك اليمين وقلنا: إن الإسلام إنما جاء لا ليشرع رقا، ولكن جاء لينهي رقا، ويسد منابعه التي كانت موجودة قبل الإسلام، ولا يبقى إلا منبع واحد. هذا المنبع الواحد هو الحرب المشروعة، ولماذا لم يطلقهم؟. لأن الحرب المشروعة عرضة أن يأخذ الخصوم من أبنائي وأنا آخذ من أبنائهم، فلا أطلق أبناءهم إن جاءوا في يدي حتى يطلقوا أبنائي الذين في أيديهم، ويصير الأمر إلى المعاملة بالمثل، التي انتهى إليها العالم الحديث وهي تبادل الأسرى. وقد نهانا الإسلام في ملك اليمين عن أن يقال: " عبدي " بل يقال: فتاي. ولا يقال: " أمتي " بل يقال: فتاتي، حتى التسمية أراد الشرع أن يهذبها، كي لا تنصرف العبودية إلا لله. الحق سبحانه وتعالى جاء بالإسلام والرق كان موجودا،، وله ينابيع متعددة فوق العشرين، وليس له إلا مصرف واحد هو إرادة السيد، فجاء الإسلام ليصفي الرق، وأول تصفية لشيء هو أن تسد منابعه، وبدل أن يكون مجرد مصرف واحد، وهي رغبة السيد، جعل له الإسلام مصارف متعددة، إذن فنكون قد حددنا المنابع في نبع واحد، وعددنا المصارف. فالذنب بينك وبين الله تكفره بأن تعتق رقبة، أو أحدثت ظهارا مثلا تعتق رقبة، وهذه رغبة من يريد أن يصفي الرق، فإذا لم توجد عند أي مالك أسباب لتصفية الرق وظل الفتى أو الفتاة تحت يمينه، فالإسلام يرشدك ويهديك: ما دمت لم تؤثر أن تعتقه واستبقيته فأحسن معاملته، أطعمه مما تطعم وألبسه مما تلبس، ولا تكلفه ما لا يطيق، فإن كلفته فيدك معه، وهات لي واحدا يلبس من ملابس سيده ويأكل مثله وعندما يعمل عملا فوق طاقته تجد يد السيد بيده.