وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا
[النساء: 9]. لأنك إن رأيت المجتمع الإيماني قد رعى أيتام غيرك فستكون على ثقة من أنه يرعى أيتامك، فإن جاء الموت أو لم يأت فلا تشغل نفسك به، لكن إذا رأى الإنسان يتيما مضيعا، فهو يعض على أسباب الحياة ويريد أن يأتي بالدنيا كلها لولده، ونقول لمثل هذا الأب: اعمل لابنك بأن تضع ما تريد أن تدخره له في يد الله لأن الذي خلق آمن من المخلوق ولذلك قلنا من قبل: إن سيدنا معاوية وسيدنا عمرو بن العاص كانا يجلسان - في أخريات حياتهما - يتكلمان معا، فيقول عمرو بن العاص لمعاوية: يا أمير المؤمنين: ماذا بقي لك من متع الدنيا؟ قال معاوية: أما الطعام فقد سئمت أطيبه، وأما اللباس فقد مللت ألينه، وحظي الآن في شربة ماء بارد في يوم صائف تحت ظل شجرة.
وهذه كلمة تعطي الإنسان طموحات إيمانية في الكون، فبعدما صار معاوية خليفة وأميرا للمؤمنين والكل مقبل عليه قال: حظي في شربة ماء بارد في ظل شجرة في يوم صائف، وهذه توجد عند ناس كثيرين. كأن الطموح انتهى إلى ما يوجد عند كل أحد: شربة ماء بارد، ثم قال معاوية لعمرو: وأنت يا عمرو، ماذا بقي لك من متع الدنيا؟ قال عمرو بن العاص: بقي لي أرض خوارة - يعني فيها حيوانات تخور مثل البقر - فيها عين خرارة، أي تعطي ماء وفيرا لتروي الأرض، وتكون لي في حياتي ولولدي بعد مماتي، وكان هناك خادم يخدمهما اسمه " وردان ". أراد أمير المؤمنين أن يلاطفه فقال له: وأنت يا وردان، ماذا بقي لك من متاع الدنيا؟ انظروا إلى جواب العبد كي تعرفوا أن الإيمان ليس فيه سيد ومسود، فقال له: حظي يا أمير المؤمنين: " صنيعة معروف أضعه في أعناق قوم كرام لا يؤدونه إلي في حياتي " أي لا يؤدون هذا الجميل لي. حتى تبقى لعقبى في عقبهم. إذن فحظه صنيعة معروف يضعه في أعناق قوم كرام لا يؤدونه إليه في حياته حتى تكون لعقبة أي لمن سيترك من أولاده. كأنه يفهمنا أنه لا شيء يضيع، فكما تمد يدك يمد غيرك يده لك، والرسول صلى الله عليه وسلم يعطينا هذه المنزلة فيقول:
" أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا " وأشار بإصبعيه متجاورين " "
، أي منزلة هذه، فبالله بعد ذلك ألا يبحث كل واحد منا عن يتيم يكفله لكي يكون مع النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة. وهذه المنزلة كانت أمنية كل صحابي. فقد جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محزون فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:
" " يا فلان مالي أراك محزونا؟ " فقال: يا نبي الله شيء فكرت فيه فقال: " ما هو؟ " قال: نحن نغدو عليك ونروح ننظر إلى وجهك ونجالسك وغدا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك، فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم ونزل عليه جبريل بهذه الآية: ﴿ ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ﴾. فبعث النبي صلى الله عليه وسلم فبشره ".
فالحق يقول لهؤلاء: لا تحزنوا، فما دمتم تحبون رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرحون في الدنيا لأنكم معه فلا تخشوا مسألة وجودكم معه بالجنة فسوف أبعثكم معه في الجنة، فالمرء مع من أحب، ولذلك أقول لكل مسلم: ابحث عن يتيم تكفله كي تأخذ المنزلة الإيمانية، المنزلة العلية في الآخرة. فقد قال عليه الصلاة والسلام:
" أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما ".
فقل لي: إذا عاملنا اليتيم في ضوء هذه التعاليم فماذا يحدث؟ سينتشر التكافل في المجتمع. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ والمسكين.. ﴾ [النساء: 36]، ونعرف أن المساكين، كما قال الفقهاء عنهم وعن الفقراء: إن كلهم في حاجة، فهل المسكين هو من لا يملك حاجة، أو الفقير هو الذي لا يملك حاجة أو يملك دون حاجته، كأن يكون إيراده مثلا عشرة بينما حاجته تحتاج إلى عشرين؟، المهم أنه يكون محتاجا. وكلمة " فقير " مأخوذة من فقار الظهر أي مصاب بما يقصم الوسط والظهر. وهو اسم معبر. و " مسكين " أيضا اسم معبر من المسكنة والسكن أي ليس له استعلاء في شيء، مغلوب ومقهور، فاللفظ نفسه جاء، معبرا، و " الجار " كلمة " جار " تعني: عدل، كقولنا: جار عن الطريق أي عدل عنه، فكيف أسمى من في جانبي " جارا "؟ لأن من في جانبك حدد مكانا له من دنيا واسعة، فيكون قد ترك الكثير وجاء للقليل، وأصبح جارك، أي أنه عدل عن دنيا واسعة وجاء جانبك، فيسمون الجار لمن جار، أي عدل عن كل الأمكنة الواسعة وجاء إلى مكان بجانبك. وهذا الجار يوصي به الله سبحانه وتعالى كما أوصى بالقريب، وباليتيم وبالمسكين، للجار حقوق كثيرة لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث: