تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك قال ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك ".

ولو حسبتها تجدها واضحة، وأيضا فالأبوة رجولة، والرجولة كفاح وسعي. والأمومة حنان وستر، فهي تحتاج ألا تخرج لسؤال الناس لقضاء مصالحها، أبوك إن خرج ليعمل فعمله شرف له.. إنما خروج الأم للسعي للرزق فأمر صعب على النفس، فالحق سبحانه وتعالى يقول: ﴿ وبالوالدين إحسانا.. ﴾ [النساء: 36].. أو

بوالديه حسنا..

[العنكبوت: 8] إنها.. مقرونة في ثلاث آيات بعبادة الله وعدم الإشراك به، ثم أفردهما بالإحسان في آيتين، ويلاحظ هنا أن الحق سبحانه وتعالى حينما تكلم قال:

وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما..

[لقمان: 15]. لكن هذا لا يمنع أن تعطيهما المعروف وما يحتاجان إليه، ونلحظ أن الحق لم يأت لهما بطلب الرحمة وهما على الشرك والكفر كما طلبها لهما في قوله:

وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا

[الإسراء: 24]. لأنهما وإن ربيا جسد الولد فلم يربيا قلبه وإيمانه، فلا يستحقان أن يقول: ارحمهما لأن الحق أراد أن يسع الولد والديه في الدنيا وإن كانا على الكفر. والحق سبحانه وتعالى حينما يريد أن يشيع الإحسان في الكون كله، يبتدئ بالأقرب فالقريب فالجار، فقال: ﴿ وبالوالدين إحسانا وبذي القربى.. ﴾ [النساء: 36]. إذن ففيه دوائر. ولو أن كل واحد أحسن إلى أبوية. فلن نجد واحدا في شيوخته مهينا أبدا، لذلك يوسع سبحانه دوائر الهمة الإيمانية فجاء بالوالدين ثم قال بعدها: ﴿ وبذي القربى.. ﴾ [النساء: 36] أي صاحب القربى، وما القربى؟ إن كل من له علاقة نسبية بالإنسان يكون قريبا. هذه هي الدائرة الثانية، ولو أن كل إنسان موسعا عليه وقادرا أخذ دائرة الوالدين ثم أخذ دائرة القربى فستتداخل ألوان البر من أقرباء متعددين على القريب الواحد، وما دامت الدوائر ستتداخل، فالواحد القريب سيجد له كثيرين يقومون على شأنه فلا يكون أحد محتاجا. وبعد ذلك يتكلم سبحانه عن اليتامى، واليتيم - كما نعلم - هو: من فقد أباه ولم يبلغ مبلغ الرجال، إنه يحتاج إلى حنان أولي.

ولكن بعد أن يبلغ مبلغ الرجال فهو لا يعتبر يتيما فقد أصبح له ذاتية مستقلة ولذلك يتخلى عنه الوصف باليتيم، والذي تموت أمه لا نسميه " يتيما " ، لكن اليتيم في الحيوانات ليس من فقد أباه بل من فقد أمه، وإن كانت طفولة الحيوانات تنتهي بسرعة لأن والدة الحيوان هي التي ترعاه في طفولته القصيرة نسبيا. إذن فيتم الحيوان من جهة الأم، والإنسان يتمه هو فقد الأب لأن الإنسان أطول الحيوانات طفولة لأنه مربى لمهمة أسمى من الحيوانية، وعرفنا من قبل أنك عندما تأتي لتزرع - مثلا - فجلا، فبعد خمسة عشر يوما تأكل منه، لكنك حينما تزرع نخلة أو تزرع شجرة " مانجو " تمكث كذا سنة، حتى تثمر. إذن فطول مدة الطفولة وعدم النسل للمثل يتوقف على المهمة الموكلة للشيء، فإن كانت مهمته كبيرة، تكن مدة طفولته أطول. والله سبحانه وتعالى يريد أن يوسع دائرة الإحسان. فإياك أن تقتصر على الوالدين فقط أو أصحاب القربى فقط. خذ في الدائرة أيضا " اليتيم " ، لأن اليتيم فقد أباه، ثم يرى كثيرا من زملائه وأقربائه لهم آباء، ولو لم يوص الحق سبحانه وتعالى بهذا اليتيم لنشأ هذا الولد وفي قلبه جذوة من الحقد على المجتمع، وقد يتمرد على الله، ويتساءل: لماذا لا يكون لي أب وكل واحد من أقراني له أب يأتيه بحاجته، لكن حين يرى أنه فقد أبا واحدا ثم وجد في الجو الإيماني آباء متعددين فهو لا يسخط على أن الله أمات أباه. إن الذين يخافون أن يموتوا ويتركوا من بعدهم ذرية ضعافا، عليهم بالإحسان إلى اليتيم... فلو رأى الواحد منا يتيما يكرم في بيئة أبوة إيمانية لما شغل نفسه ولما خاف أن يموت ويترك ولدا صغيرا، بل يقول الإنسان لنفسه: إن المجتمع فيه خير كثير، وبذلك يستقبل الإنسان قدر الله بنفس راضية، ولا يؤرق نفسه، وهذه مسألة تشغل الناس فنقول لكل إنسان قادر: إذا كنت في بيئة إيمانية. واليتيم يجد رعاية من آباء إيمانيين متعددين فسينشأ اليتيم وليس فيه حقد ولذلك يقول الحق:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٩٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٩٤٨