" أفلح إن صدق ".
وبذلك دخل هذا الأعرابي في نطاق المفلحين. إذن فالذي يزيد على هذا يدخله الله في نطاق المحسنين.
كانوا قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون * وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم
[الذاريات: 17-19]. ولنلحظ دقة الأداء، إن الحق لم يذكر أن للمحرومين في أموال المحسنين حقا معلوما. لماذا؟ لأن الحق - سبحانه - ترك للمحسن الحرية في أن يزيد على نسبة الزكاة التي يمنحها للسائل والمحروم، وحينما يتكلم سبحانه عن مطلوب الإيمان يقول:
والذين في أموالهم حق معلوم * للسآئل والمحروم
[المعارج: 24-25]. إذن فالذي يزيد على ذلك ينتقل من مقام الإيمان ليدخل في مقام الإحسان. كأنه يقول لك في الآية التي نحن بصددها: إياك أن تعمل مع والديك القدر المفروض فقط، بل ادخل في برهما والإنعام عليهما والتلطف بهما والرحمة لهما وذلة الانكسار فوق ما يطلب منك، ادخل في مقام الإحسان، ثم يأتي في آية أخرى ليرشدنا بعد أن أدخلنا في مقام الإحسان، إنه يصف ذلك الإحسان بشيء آخر وهو " الحسن ":
ووصينا الإنسان بوالديه حسنا..
[العنبكوت: 8]. وما هو المقابل " للحسن "؟ إنه " القبح " ، إذن فالحق أدخلنا في مقام الجمال مرة، وفي مقام الإحسان مرة أخرى، وهنا أكثر من ملحظ يجب ألا يغيب عن بال المسلم، أولا: نجد أن المفروض في الشائع الغالب أن الوالدين يربيان أبناءهما، ومن النادر أن يصبح الولد يتيما ويربيه غير والديه، فقال: الحظ سبب التربية بعد الوجود، فسبب الوجود: يوجب عليك أن تعطيهما حقوقهما وفوق حقوقهما وتدخل في مقام الإحسان، ولكنه جاء في آية وعلل ذلك فقال:
وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا
[الإسراء: 24]. لقد جاء الحق بالتربية حيثية في الدعاء لهما وفي البر التوصية بهما، لكن لو أن إنسانا أخذ فيك منزلة التربية ولم يأخذ فيك سببية الإيجاد، أله حق عليك أن يكون كوالديك؟ إن الحق يقول:
كما ربياني..
[الإسراء: 24]، فإذا كان والدي لهما هذا الحق، فكذلك من قام بتربيتي من غير الوالدين له هذا الحق أيضا! ما دام جاء الحق بالوالدين في علة الإحسان:
وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا
[الإسراء: 24]، فمرة نلحظ أنه لا يجيء بمسألة التربية كي نعلم أن الوالدين هما سبب الوجود، ومرة يلفتنا إلى أن من يتولى التربية يأخذ حظ الوالدين، وشيء آخر: وهو أن الحق سبحانه وتعالى حينما وصى بالوالدين إحسانا، جاء في الحيثيات بما يتعلق بالأم ولم يأت بما يتعلق بالأب:
ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا..
[الأحقاف: 15]. هنا جاء الحق بالحيثيات للأم وترك الأب بدون حيثية، وهذا كلام رب لأن إحسان الوالدة لولدها وجد وقت أن صار جنينا. فهي قد حافظت على نفسها وسارت بحساب وحرص فانشغلت به وهو ما زال جنينا. وحاولت أن توفر كل المطالب قبلما يتكون له عقل وفكر، بينما والده قد يكون بعيدا لا يعرفه إلا عندما يكبر ويصير غلاما ليربيه لكفاح الحياة، أما في فترة الحمل والمهد فكل الخدمات تؤديها الأم ولم يكن للطفل عقل حتى يدرك هذا، إنما بمجرد أن وجد العقل وجد أباه يعايشه ويعاشره، وكلما احتاج إلى شيء قالت له الأم: أبوك يحققه لك، وكل حاجة يحتاج إليها الطفل يسأل أباه أن يأتيه بها، وينسى الطفل حكاية أمه وحملها له في بطنها وأنها أرضعته وسهرت عليه لأنه لم يكن عنده إدراك ساعة فعلت كل ذلك، فمن الذي - إذن - يحتاج إلى الحيثية؟ إنها الأم، أما حيثية إكرام الأب فموجودة للإنسان منذ بدأ وعيه لأنه رأى كل حاجته معه لذلك قال الحق:
ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا..
[الأحقاف: 15]. والطفل لا يعرف حكاية الحمل هذه، وعندما يتنبه يجد أن والده هو الذي يأتي بكل حاجة، وما دام أبوه هو الذي في الصورة، فتكون الحيثية عنه موجودة، والأم حيثيتها مغفولة ومستورة، فكان لابد من أن يذكرنا الله بالحيثية المتروكة عند الإنسان مكتفيا بالحيثية للأب الموجودة والواضحة عند الابن، ولذلك تجد النبي صلى الله عليه وسلم حينما يوصي قال: أمك ثم أمك ثم أمك، وبعد ذلك قال: ثم أبوك. كما جاء في الحديث: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: