تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا..

[البقرة: 83]. وبعد ذلك تأتي هذه الآية التي نحن بصددها، ﴿ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا.. ﴾ [النساء: 36]. وبعد ذلك يأتي أيضا قوله سبحانه:

قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا..

[الأنعام: 151]. وبعد ذلك يأتي الحق سبحانه وتعالى فيقول:

ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا..

[الأحقاف: 15]. ويأتي أيضا في سورة العنكبوت فيقول:

ووصينا الإنسان بوالديه حسنا..

[العنكبوت: 8]. لكن إن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما، فإن كان الوالدان مشركين فلا بد أن نعطف عليهما معروفا، والمعروف كما أوضحنا يكون لمن تحب ومن لا تحب، ولكن الممنوع هو: الودادة القلبية ولذلك قال:

لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدون من حآد الله ورسوله..

[المجادلة: 22]. ولا يوجد تناقض أو شبه تناقض بين الآية التي نحن بصددها وبين آية سورة المجادلة. وهناك آيات تكلم فيها الحق وقرن عبادته بالإحسان إلى الوالدين، وهناك آيتان جاء الأمر فيهما بالتوصية بالوالدين استقلالا. وذلك في قوله تعالى:

ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا..

[الأحقاف: 15]. وفي قوله سبحانه:

ووصينا الإنسان بوالديه حسنا..

[العنكبوت: 8]. ففيه " إحسان " وفيه " حسن " ، " الإحسان ": هو أن تفعل فوق ما كلفك الله مستشعرا أنه يراك. فإن لم تكن تراه فإنه يراك، و " الإحسان " من " أحسن " ، فيكون معناها أنه ارتضى التكليف وزاد على كلفه. وعندما يزيد الإنسان على ما كلفه الله أن يصلي الخمس المطلوبة ثم يجعلها عشرة، ويصوم شهر رمضان، ثم يصوم يومي الاثنين والخميس أو كذا من الشهور، ويزكي حسب ما قرر الشرع باثنين ونصف في المائة وقد يزيد الزكاة إلى عشرة في المائة، ويحج ثم يزيد الحج مرتين. إذن فالمسألة أن تزيد على ما افترض الله، فيكون قد أدخلك الله في مقام الإحسان لأنك حين جربت أداء الفرائض ذقت حلاوتها. وعلمت مما أفاضه الله عليك من معين التقوى ومن رصيد قوله:

واتقوا الله ويعلمكم الله..

[البقرة: 282]. علمت أن الله يستحق منك أكثر مما كلفك به ولذلك فبعض الصالحين في أحد سبحاته قال: " اللهم إني أخشى ألا تثيبني على الطاعة لأنني أصبحت أشتهيها ".. أي صارت شهوة نفس، فهو خائف أن يفقد حلاوة التكليف والمشقة فيقول: يا رب إنني أصبحت أحبها، ومفروض منا أننا نمنع شهوات أنفسنا لكنها أصبحت شهوة فماذا أفعل؟ إذن فهذا الرجل قد دخل في مقام الإحسان واطمأنت نفسه ورضيت وأصبح هواه تبعا لما أمر به الله ورضيه. ولذلك يجب أن نلحظ أن الحق سبحانه وتعالى حينما تكلم عن المتقين قال:

إن المتقين في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين

[الذاريات: 15-16]. لماذا هم محسنون يا رب؟. يقول الحق:

كانوا قليلا من الليل ما يهجعون

[الذاريات: 17]. وهل كلفني الله. ألا أهجع إلا قليلا من الليل؟ إن الإنسان يصلي العشاء من أول الليل وينام حتى الفجر، هذا هو التكليف، لكن أن تحلو للمؤمن العبادة، ويزداد الإيمان في القلب والجوارح، ويأنس العبد بالقرب من الله، فالحق لا يرد مثل هذا العبد بل إنه يستقبله ويدخله في مقام الإحسان:

إنهم كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون

[الذاريات: 16-18]. وربنا لم يكلفهم بذلك، إنما كلفهم فقط بخمسة فروض. ونعرف قصة الأعرابي الذي قال للرسول صلى الله عليه وسلم: هل علي غيرها؟ قال له: لا، إلا أن تطوع، وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة، فقال: هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع، قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٩٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٩٤٦