ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون
[الزمر: 29]. فهذا عبد مملوك لجماعة، والجماعة مختلفة ومتشاكسة، وهو لا يعرف كيف يوفق بين أوامر كل منهم التي تتضارب، فإن أرضي هذا، أغضب ذاك. إذن فهو عبد مبدد الطاقة موزع الجهد، مقسم الالتفاتات، ولكن العبد المملوك لواحد، لا يتلقى أمرا إلا من سيد واحد ونهيا من السيد نفسه. والحق يشرع القضية لعباده بصيغة الاستفهام، وهو العليم بكل شيء ليجعل المؤمن به يشاركه في الجواب حتى إذا ما قال الحق:
هل يستويان..
[الزمر: 29]؟ هنا يعرضها الإنسان على عقله ويريد أن يجيب، فماذا يقول؟ سيجيب بطبيعة الفطرة وطبيعة منطق الحق قائلا: لا يا رب لا يستويان. إذن فأنت أيها العبد المؤمن قد قلتها، ولم يفرضها الله عليك. وقد طرحها الحق سبحانه سؤالا منه إليك حتى يكون جوابك الذي لن تجد جوابا سواه. فإذا ما كنت كذلك أيها العبد المؤمن قد ارتحت في الوجود وتوافرت لك طاقتك لأمر واحد ونهي واحد، هنا تصبح سيدا في الكون، فلا تجد في الكون من يأخذ منك عبوديتك للمكون. وتلك هي راحتنا في تنفيذ قول الله: ﴿ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا.. ﴾ [النساء: 36] لأن الإشراك بالله - والعياذ بالله - يرهق صاحبه، وياليت المشركين حين يشركون يأخذون عون الله، ولا يأخذون عون الشركاء. لكن الله يتخلى عن العبد المشرك، لأنه سبحانه يقول:
" أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه ".
الحق إذن يتخلى عن العبد المشرك، وليت العبد المشرك يأخذ حظه من الله كشريك، وإنما ينعدم عنه حظ الله لأن الله غني أن يشرك معه أحدا آخر. وهكذا يكون المشرك بلا رصيد إيماني، ويحيا في كد وتعب.. ويردف الحق سبحانه وتعالى عبادته بالإحسان إلى الوالدين فيأتي قوله - جل شأنه -: ﴿ وبالوالدين إحسانا.. ﴾ [النساء: 36] والوالدان هما الأب والأم لأنهما السبب المباشر في وجودك أيها المؤمن. وما دامت عبادتك لله هي فرع وجودك، إذن فإيجادك من أب وأم كسببين يجب أن يلفتك إلى السبب الأول إن ذلك يلفتك إلى من أوجد السلسلة إلى أن تصل إلى الإنسان الأول وهو آدم عليه السلام. ﴿ وبالوالدين إحسانا.. ﴾ [النساء: 36]، انظر إلى المنزلة التي أعطاها الله للوالدين، وهما الأب والأم. والخطاب لك أيها المسلم لتعبد الله، والتكليف لك وأنت فرع الوجود لأن الخطاب لمكلف، والتكليف فرع الوجود، والوالدان هما السبب المباشر لوجودك، فإذا صعدت السبب فالوالدان من أين جاءا؟، من والدين، وهكذا حتى تصل لله، إذن فانتهت المسألة إلى الواحد لأن التكليف من المكلف إلى المكلف فرع الوجود. والوجود له سبب ظاهري هما " الوالدان " ، وعندما تسلسلها تصل لله إنه - سبحانه - أمر: اعبدني ولا تشرك بي شيئا، وبعد ذلك، ﴿ وبالوالدين إحسانا.. ﴾ [النساء: 36]. كلمة " الإحسان " تدل على المبالغة في العطاء الزائد الذي نسميه مقام الإحسان. ﴿ وبالوالدين إحسانا.. ﴾ [النساء: 36]، الحق سبحانه وتعالى حينما قرن الوالدين بعبادته، لأنه إله واحد ولا نشرك به شيئا، لم ينكر أو يتعرض لإيمانهما أو كفرهما لأن هناك آية أخرى يقول فيها:
وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا..
[لقمان: 15]. صحيح لا تطعهما ولكن احترمهما لأنهما السبب المباشر في الوجود وإن كان هذا السبب مخالفا لمن أنشأه وأوجده وهو الله - جلت قدرته -
وصاحبهما في الدنيا معروفا..
[لقمان: 15] والمعروف يصنعه الإنسان فيمن يحبه وفيمن لا يحبه، إياك أن يكون قلبك متعلقا بهما إن كانا مشركين، لكن صاحبهما في الدنيا معروفا ولذلك قال:
وصاحبهما في الدنيا..
[لقمان: 15] أي انظر مصلحتهما في أمور الدنيا معروفا منك. والمعروف تصنعه فيمن تحب وفيمن لا تحب. والحق يقول: ﴿ وبالوالدين إحسانا.. ﴾ [النساء: 36]، ويكررها في آيات متعددة، فقد سبق في سورة البقرة أن قال لنا: