وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم..
[آل عمران: 144]. فالموت هو سلب الحياة بدون نقض بنية، وهذا لا يجريه إلا الله، إنما القتل بهدم البنية، فأي إنسان يستطيع أن يفعله، فتخرج الروح بإذن الله، وليس معنى ذلك أن أحدا عجل بأجل القتيل، لا، ولكنه تدخل في بنيان أقامه الله فهدمه، ولو لم يتدخل أحد في بنيان الله ليهدمه لكان أجله قد جاء. إذن فالقاتل يعاقب لأنه تدخل في هدم البنية وهو يعرف أن هذه الروح لا تحل إلا في بنيان له مواصفات خاصة تقتضي أن يكون المخ سليما، وكذلك القلب، وبقية أجزاء الجسم. لكن حين يجيء الأجل يموت الإنسان ولو لم ينقض أحد البنية. وضربنا مثلا لنقرب هذا الأمر - ولله المثل الأعلى: إن هذه الروح نشبهها بالكهرباء، فأنت لا تعرف الروح ولم ترها ولم تسمعها ولم تشمها ولم تذقها، إذن فبأي وسيلة من وسائل الإدراك أنت لا تعرفها. لكنك تعرف أنها تدير حياة جسمك كله، بدليل أن الروح عندما تسحب من الجسم يصير رمة. وقد جعلها الله كدليل ذاتي في النفس البشرية على وجود إله لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، تقول: لا نرى الله. نقول لك: نعم، فهو سبحانه يقول:
وفي أنفسكم أفلا تبصرون
[الذاريات: 21]. إن الحق لا يطالبك بأن تبصر ما في الكون فقط من آيات، بل إن الأدلة لا تتعداك أنت أولا، فروحك التي تدير جسمك أين هي؟ ما شكلها؟ ما لونها؟ ما رائحتها؟ أتعرف؟ لا، ولكنها موجودة فيك وأنت لا تراها، فكيف تطلب أن ترى إلها وقد خلق شيئا لم تقو على أن تراه؟ أمخلوق لا تقدر أن تراه، وبعد ذلك تريد أن ترى خالقه.
إذن فمن عظمته أنه لا يدرك، ويقول الحق سبحانه وتعالى عن لحظة تنزل الروح في الجسم:
فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين
[ص: 72]. لأنه سيكون إنسانا سويا، فإن شبهنا تلك الروح بالكهرباء - ولله المثل الأعلى - هل تعرف ما هي هل رأيتها؟. لم ترها، هل أحد عرفها؟ الذين اكتشفوها، أعرفوا ما هي؟ لم يعرفوا، إنما نعرفها بآثارها، فساعة نرى المصباح منيرا نقول: جاءت الكهرباء، وساعة تدور المروحة تقول: الكهرباء جاءت. إذن فأنت تعرفها بآثارها، كذلك تعرف الشخص أنه مات عندما لا تجد له حركة. وعندما تخف الحركة وتخفت يقولون: خذ الحركة من شيء إن وقف يكون الموت، وليس من اليد، لأن اليد قد لا تتحرك لإصابتها بالشلل، بينما الإنسان ما زال حيا ولذلك هات المرآة وضعها أمام مخرج النفس، فإن وجدت بخارا على المرآة فهذا يعني أن هذا الإنسان ما زال حيا، وفيه روح، وكذلك عندما ينكسر المصباح الكهربائي فالكهرباء لا تعمل عملها لأن الكهرباء لا تظهر إلا في قالب من هذا النوع، زجاجة مفرغة الهواء مصنوعة بشكل خاص إن انكسرت أو تلفت يذهب النور. إذن فعندما نهدم الجسم لا تجد الروح الوعاء الذي تظهر فيه، فكذلك المصباح الكهربائي إن انكسر تكون الكهرباء موجودة في الأسلاك إنما لا يوجد نور، وعندما تأتي بمصباح جديد يأتي النور، كذلك الروح لا تظهر إلا في الجسد الذي له مواصفات خاصة، هذا وإن القتل هو دليل عجز القاتل، لأن القاتل حين يقتل خصمه فهذه شهادة منه أنه أعجز من خصمه، صحيح أنه قد قدر عليه وضربه وأماته وهذا مظهر قدرة بشرية حمقاء. لكن في الواقع أن هذا عجز. إن معنى القتل ونقض الحياة أن القاتل يعلن أمام الملأ أنه لا يستطيع أن يواجه حركة حياة خصمه، ولا يرتاح إلا إذا مات هذا الإنسان، إذن فقد شهد القاتل حين يقتل بعجزه. فلو علم القاتل أن قتله لنفس أخرى ليس دليل قدرة وقوة له ولكنها شهادة عجز، وأنه لا يمكن أن يواجه حياة هذا الحي إلا بأن يميته لما قتله، والحق يحمي النفس البشرية من القتل حتى لا يكون أي إنسان مهددا، وحتى لا تتعطل الخلافة التي أرادها الله في الكون. ثم تأتي كبيرة أخرى وهي: قذف المحصنات الحرائر، ونعرف أن ركنا من أركان المجتمع السليم أن تظل الحرائر مصونات كي لا يعاني النشء والنسل الذي ينسل منهم من ظن الريبة والعار، وحين لا تظن النفس البشرية بريبة فهي تواجه الحياة بمنتهى طلاقتها وبمنتهى قدرتها لذلك فالذي يحب أن تشيع الفاحشة ويقذف المحصنات والحرائر بغير ما اكتسبن فهو يحدث زلزلة في المجتمع، زلزلة في نسب أفراد المجتمع، ويضار بها من ليس له ذنب، ويضار بها الأولاد الصغار، وما ذنبهم وقد قال تعالى: