تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الشرك لظلم عظيم

[لقمان: 13] والظلم الذي نعرفه: أنك تحكم بشيء للغير وليس من حقه، فبالله عندما تحكم أن ربنا له شريك، أليس هذا أعظم الظلم، وهو ظلم لنفسك، فإياك أن تظن أنك تظلم الله لأن ربنا أغنى الشركاء عن الشرك ولذلك يقول في الحديث القدسي:

" أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه ".

إن هذا ظلم لنفسك لأنك حين تعتقد أن لله شركاء فقد أتعبت نفسك تعب الأغبياء. واقرأ قول الله:

ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا..

[الزمر: 29]. فعبد مملوك لعشرة أسياد، وياليت العشرة الأسياد متفقون، بل هذا يقول له: اذهب، وهذا يقول له: تعال، إذن فقد أتعب نفسه وأرهقها. إذن فقد ظلمها. قال تعالى:

ولكن الناس أنفسهم يظلمون

[يونس: 44]. إن الإيمان بإله واحد يجعلك غير خاضع إلا لوجهة واحدة، ولا أوامر من جهة أخرى أبدا، إذن فقد أرحت نفسك، وهذه قضية يثبتها الواقع لأن الله قد أنزل في قرآنه المحفوظ المتلو المقروء:

لا إله إلا أنا..

[طه: 14]. فالمؤمن يقول: هذه كلمة صدق، والكافر يقول - والعياذ بالله -: هذه الكلمة غير صدق، والمسألة على أي تقدير منتهية، واحد جاء وأخذ الكون وقال: لا يوجد إله إلا أنا، والذي أخذ منه الكون إله ولكن أعلم أن الكون أخذ منه أم لم يعلم بذلك؟ إن لم يكن قد دري تكون مصيبة في هذا الإله، وإن كان قد درى فما الذي أسكته؟ فالمسألة - إذن - محلولة، هذه مسألة الشرك. إن الإيمان بوحدانية إله جاءت لتريح النفس البشرية من كثرة تلفتاتها إلى آلهة متعددين، إنه هو الحق، وهو الذي ينفع ويضر، إنكم حين تكونون لإله واحد كمثل العبد يكون لمالك واحد، أما عندما تعبدون آلهة متعددين تكونون كمثل العبد الذي له شركاء وياليتهم متفقون بل هم مختلفون. بعد ذلك يأتي في المرحلة الثانية وهي: اليأس من روح الله، و " الروح " من " الرائحة " وهي النسيم، فساعة تكون في ضيق والجو حار تلتفت لتجد واحة فتأوي إلى ظلها وهوائها وتلجأ إلى حضنها، هذه الراحة يعطيها الله لمن لا ييأس من روح الله فتعطيه صلابة إيمانية لاستقبال أحداث الحياة لأن الحياة أغيار، وأحداثها متعددة، وللعالم وللكون الظاهر سنن في الأسباب والمسببات. هب أن أسبابك ضاقت بشيء ولم يعد عندك أسباب له أبدا، فالذي لا يؤمن بإله قوي يخرق الأسباب، ماذا يفعل؟ ينتحر كما قلنا. إذن فاليأس من روح الله هو من جعل قوة الله العليا التي خلقت النواميس متساوية مع النواميس بحيث إذا ضاقت وعزت أسبابها البشرية في شيء يئس منها، أما المؤمن فنقول له: أنت لا تيأس لأنك مؤمن بإله قادر فوق النواميس فالذي ييأس من روح الله كأنه يعطل طلاقة القدرة الإلهية على النواميس الكونية، إن الله، هو خالق هذه النواميس. فعندما ييأس إنسان من روح الله، يكون قد سوى الله - بطلاقة قدرته - بالنواميس، إن الذي تأباه النواميس فسبحانه قادر أن ييسره.

وبعد ذلك جاء ب " عقوق الوالدين " وهما الخلية الأولى التي يواجهها الإنسان، وهما السبب المباشر في إيجادك لأنك حين تعق وتعصي من كان سببا مباشرا لوجودك تكون قد عققت وعصيت من كان سببا مباشرا لوجودك، وهو الله الذي لم تره، إذن فاحترامهما والبر بهما ليس - فقط - لأنهما سبب في وجودك وإنما - أيضا - لأنهما ربياك صغيرا فعليك بالبر بهما، وهذا يحثك ويدفعك إلى أن تحفظ الجميل لمن كان سببا في إيجادك، وتربيتك، وعندما ترقيها وتتساءل: من أوجد أباك؟ جدك؟ ومن أوجد جدك؟ تصل إلى أين؟ لا يمكن أن تكون لها نهاية إلا أن تتصل بمن لا نهاية له، وهو أن الله قد خلق آدم. ثم قال: قتل النفس، والقتل هو نقض بنية الكائن، وهو يختلف عن الموت، فالموت أن يموت الإنسان وبنيته سليمة، لكن إن تلقى ضربة على رأسه فهو يموت منها، هذا هو نقض البنية سواء أكان الضرب بحجر أم برصاصة أم بأي شيء. ولنقرأ القرآن بإمعان، إن الحق يقول:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٩٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٩٢٥