ولا تزر وازرة وزر أخرى..
[فاطر: 18]. وبعد ذلك قال: أكل الربا لأن الربا يصنع خللا اقتصاديا فهو يحمل غير الواجد أن يزيد ثروة الواجد. والزنى كبيرة من الكبائر والحق يقول:
ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وسآء سبيلا
[الإسراء: 32]. فالزنى يجعل العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة استمتاع فقط، والعلاقة الأولى التي أرادها الله حينما أوجد حواء لآدم هي أن تكون المرأة سكنا وليست أداة استمتاع فقط، والاستمتاع إنما جاء لحفظ النوع وأطلقه في النفس البشرية لأن آثار هذا الاستمتاع تبعتها طويلة من تربية للأطفال الذين تطول طفولتهم ويحتاجون لرعاية، ولو لم يربطها بهذا الاستمتاع لكان كثير من الناس يزهد في الأولاد. وكذلك الفرار يوم الزحف كبيرة من الكبائر، لأن الفرار يصنع خللا في المجتمع الإيماني لأن معنى الزحف أن أعداء الإسلام أغاروا علينا، وما داموا قد أغاروا علينا فكل مسلم يقف على ثغرة من ثغور الإسلام، حتى لا يمكن أعداء الإسلام من ديار الإسلام، ولتظل كلمة الله هي العليا، ففرار المسلم يعطي أسوة على ضعف الإيمان في النفس، ولذلك لا تغتروا بأن هذا صار مؤمنا وذاك صار مؤمنا، فلو كان مؤمنا حقا ووثق بالغاية فهو لا يهاب القتال لأنه إن قتل صار شهيدا ومبشرا من الله بكذا وكذا لذلك فالفرار في يوم الزحف يعطي أسوة سيئة ليس في الحرب فقط، بل سيعطي شيوع خلخلة إيمانية في النفس البشرية، والحق سبحانه وتعالى أوضح أن المؤمن عندما يدخل الحرب يرغب في أحد أمرين كلاهما حسن: النصر أو الشهادة، فقال سبحانه:
قل هل تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين..
[التوبة: 52]. والمؤمن يتربص بالكافر ليحقق ما قاله الله:
ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا..
[التوبة: 52]. فإذا كان الحق سبحانه وتعالى يريد من المؤمن أن يثبت يقين إيمانه بأن يفقد الحياة التي هي سبب التمسك بمظاهر الحياة لأنه ذاهب لحياة أحسن، ولكن الحق سبحانه وتعالى لا يحب للمؤمنين أن يقدموا على عمليات انتحارية إلا حين تكون هناك مظنة للنصر بدليل قوله الحق:
ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد بآء بغضب من الله..
[الأنفال: 16]. فالإنسان لا يدخل في معركة وهو غير مستعد لها، أو ليس لديه مظنة النصر، إنه إن فعل ذلك فإنما ينقص المسلمين واحدا، فماذا أفادنا؟ إن على المؤمن أن يقبل على الاستشهاد بثمن يخصه وهو الجنة، وبثمن يبقي للجماعة الأمان أو النصر. وبعد ذلك قال: واليمين الغموس. واليمين الغموس تمثل قضية من قضايا خلل المجتمع لأن اليمين الغموس هي السبب الذي يغمس صاحبه في النار لأنه حلف على شيء أنه كان وهو لم يكن، أو على شيء لم يكن وهو قد كان، وبهذا يتسلل الكذب إلى الصدق، ولا يعرف القاضي التمييز حين يفصل في الحقوق، هناك إنسان يكذب ويشهد ويحلف اليمين أن هذا حدث ويؤدي ذلك إلى ضرر بالغير، فمن يريد أن يظلم لن يعدم شاهدين على باب المحكمة يحلفان له، عندئذ يصبح الإنسان غير مطمئن إلى حركة حياته ولا إلى مصالحه.
وتأتي كبيرة أخرى وهي الغلول. وتعني أن المسلمين حين يلتحمون بأعدائهم ويأخذون منهم الغنائم وهي ما نسميها " السلب " ، وهي أسلحة الأعداء وما عندهم من أشياء، فبالله من يدخل معركة بهذا الشكل ويجد غنيمة ويأخذها، أيكون قد نقض عملية الحرب في سبيل الله أم لا؟ إنه ينقض عملية الحرب في سبيل الله، إن الحرب في سبيل الله شرعت لتكون كلمة الله هي العليا، ولذلك يقول الحق:
ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة..
[آل عمران: 161]. لقد قلنا: إن كان قد غل بقرة، فسيحملها يوم القيامة، وسيكون لها خوار. وإن غل في أسمنت فسيأتي حامله يوم القيامة، ومن غل في حديد أو استورد لحوما فاسدة أو سمكا نتنا فإنه سيأتي وهو يحمله يوم القيامة. ثم تأتي كبيرة وهي شهادة الزور. فشهادة الزور أيضا ركن من أركان فساد المجتمعات كلها لأنها لا تجعل المؤمن مطمئنا على حقه. أما السحر فهو كبيرة تهدد المجتمع بما يفزع كيانه لأنه ينتهي إلى قوة خفية، إذ ليس أمام الذي يتعرض للإصابة به عدو مباشر يواجهه، حتى يرتب لنفسه الحماية منه. ولذلك يقول الحق سبحانه: