تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[النور: 61]. هذه رفعت عنهم الحرج، إنما ساعة سمعوا أكل الباطل قالوا: لا آخذ حاجة من أحد إلا بمقابل. وما هو " الباطل "؟. الباطل هو أن تأخذ الشيء بغير حقه. مثال ذلك الربا، لأن معنى " ربا " أن واحدا عنده فائض وآخر يحتاج، والمحتاج ليس عنده الأصل أنطلب منه أن يرد الأصل وزيادة، ويعطي الزيادة لمن عنده؟ كيف يتأتى هذا؟ هذا هو الآخذ بالربا، أو الأخذ بالسرقة، بالاختلاس أو بالرشوة أو بالغش في السلع، كل ذلك هو أكل مال بالباطل، وساعة تريد أن تأكل مالا بالباطل كأنك تريد أن تتمتع بثمرة عمل غيرك، وأنت بذلك تتعود على التمتع بثمرة عمل غيرك، وتضمحل عندك قدرة العمل ويصير أخذك من غيرك. أخذا لماله كرها وبغير وجه حق وبذلك تتعطل حركة متحرك في الحياة وهو ذلك العاطل " البلطجي " ، ويخاف المتحرك في الحياة وهو من تفرض عليه الإتاوة فيقل ويضعف نشاطه في الحياة، كيف يكون شكل هذا المجتمع؟ إن المجتمع في هذه الحالة سيعاني من كرب وصعوبات في الحياة. فقوله سبحانه: ﴿ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل.. ﴾ [النساء: 29] هو أمر لكل مسلم: لا تراب، ولا تسرق، ولا تغش، ولا تدلس، ولا تلعب ميسرا، ولا تختلس، ولا ترتش لأن كل هذه الأمور هي أكل أموال بالباطل.

وعندما ندقق في مسألة لعب الميسر نجد أمرا عجيبا فالذين يلعبون الميسر يدعون أنهم أصدقاء، وينتظر بعضهم بعضا ويأكلون معا، وكل واحد منهم يجلس أمام الآخر وهو حريص أن يأخذ ما في جيبه، فأي صداقة هذه؟ إذن فساعة يقول الحق: ﴿ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل.. ﴾ ، وساعة يأمرك الحق: إياك أن يصعب عليك التكليف لأنه شاق عليك، ولكن قدر ما يأخذه منك التكليف من تضييق حركة تصرفك، وما يعطيك التكليف من تضييق حركة الآخرين، الحق قال لك: لا تأخذ مال غيرك لكي لا يأخذ غيرك مالك، وبذلك تكسب أنت ويكسب كل المجتمع، فحين يصدر أمر لإنسان أن يكف يده عن السرقة فهو أمر للناس جميعا كي يكفوا عن سرقة هذا الإنسان لذلك فحين تستقبل أي حكم عن الله لا تنظر إلى ما أخذه الحكم من حريتك، ولكن انظر إلى ما أخذه الحكم لصالحك من حرية الآخرين. ومثال ذلك: حين يوضح الحق وينهي عن النظر إلى المرأة الأجنبية فإياك أن تمد عينك إلى محارم غيرك، هو أمر لا يخصك وحدك، ولكنه أمر لملايين الناس ألا يمدوا عيونهم إلى محارمك، وعندما توازن الأمر فأنت الذي تكون أكثر كسبا. إنني لذلك أقول دائما: لا تنظر إلى ما في التكليف من مشقة أو إلى ما أخذ منك، ولكن انظر فيه إلى ما يعطى لك فإن نظرت هذه النظرة وجدت كل تكليف من الحق هو ربح لك أنت. وإلا لو أننا أطلقنا يدك في الناس جميعا لا بد أن تقدر أننا نطلق أيدي الناس جميعا فيك. وأنت إذا أطلقت يدك في الناس فلن تؤثر فيهم مثلما يؤثرون فيك لو أطلقوا أيديهم فيك فيما يخصك، فمن مصلحتك ألا تطلق يدك في الناس. ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم.. ﴾ [النساء: 29] وكلمة ﴿ إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم.. ﴾ [النساء: 29] أي إلا في النفعية المتبادلة تبادل الأعواض، فشيء عوض شيء. وجاءت التجارة لأن التجارة هي الحلقة الجامعة لأعمال الحياة فالتاجر هو وسيط بين من ينتج سلعة ومن يستهلكها. والسلع في حركتها إنتاج واستهلاك. والإنتاج قد يكون زراعيا أو صناعيا أو خدميا. إذن فالتجارة جامعة لذلك كله. وكلمة ﴿ عن تراض.. ﴾ [النساء: 29] تدل على أن رضا النفس البشرية في الأعواض مشروط، حتى ما أخذ بسيف الحياء يكون حراما لذلك أقوال: على كل واحد أن يغربل إيمانه، وينظر هل حياته في أعواض الأموال وأعواض التجارة وأعواض المبادلات مستوية أو غير مستوية؟ فإن لم تكن مستوية فعلية أن يفكر فيها قليلا حتى يعطي كل ذي حق حقه. وحتى لا يدخل في دائرة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٩١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٩١٨