تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذن فلا بد أن نرعى حركة المتحرك وننميها لأن المجتمع ينتفع منها، وإن لم يقصد المتحرك إلا مصلحة نفسه، صحيح أن الذي ليس في باله إلا نفسه إنما يحبط ثواب عمله، وصحيح أن من يضع الناس في باله إنما يعطي ثمرة عمله ويأخذ ثوابا أيضا من الله. والحق سبحانه وتعالى يأتي في مسائل المال ويوضحها توضيحا تاما ليحمي حركة الحياة ويغري الناس بالحركة - وبذلك يتعدد المتحركون وتتعدد الحركات، ويستفيد المجتمع، فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل.. ﴾ [النساء: 29] وساعة تجد أمرا لجماعة في جمع مأمور به فقسم الأفراد على الأفراد. مثال ذلك: عندما نقول لجماعة: اركبوا سياراتكم أي: ليركب كل واحد منكم سيارته، والمدرس يدخل الفصل ويقول للتلاميذ: أخرجوا كتبكم. أي أن كل تلميذ عليه أن يخرج كتابه. فمقابله الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحادا، وقول الحق: ﴿ لا تأكلوا.. ﴾ [النساء: 29] فهذا أمر لجمع. ﴿ أموالكم.. ﴾ [النساء: 29] أيضا جمع، فيكون معناه: لا يأكل كل واحد ماله، وكيف لا يأكل كل واحد منكم ماله؟ - يوضح الحق: ﴿ بالباطل.. ﴾ [النساء: 29]. فيكون مطلوبا من كل واحد منكم ألا يأكل ماله بالباطل. والإنسان يأكل الشيء لينتفع به. والحق يوصيك ويأمرك: إياك أن تصرف قرشا من مالك وتضيعه إلا في حق، هذا إذا كنا سنقابل المفرد، فلا يأكل واحد منكم ماله بالباطل، بل يوجهه إلى الأمر النافع، الذي ليس فيه حرمة، والذي لا يأتي بعذاب في الآخرة. وإذا كان المراد أن لا أحد يأكل مال الآخر، فسنوضحه بالمثل الآتي: لنفترض أن تلميذا قال لمدرسه: يا أستاذ قلمي كان هنا وضاع. فيقول الأستاذ للتلاميذ: لا تسرقوا أقلامكم، فهل معنى ذلك أن الأستاذ يقول: لا يسرق كل واحد قلمه أو لا يسرق كل واحد قلم أخيه، إذن فيكون المعنى الثاني: ﴿ لا تأكلوا أموالكم.. ﴾ [النساء: 29]، أي لا يأكل كل واحد منك مال أخيه بالباطل. وكيف يقول: ﴿ أموالكم.. ﴾ [النساء: 29]؟ وما دام مالهم فليس عليهم حرج؟ لا لأن معناها المقصود: لا يأكل كل واحد منكم مال أخيه. ولماذا لم يقل ذلك وقال: ﴿ أموالكم.. ﴾ [النساء: 29]؟ لأن عادة الأوامر من الحق ليست موجهة إلى طائفة خلقت على أن تكون آكلة، وطائفة خلقت على أن تكون مأكولة، بل كل واحد عرضة في مرة أن يكون آكلا لمال غيره ومرة أخرى يكون ماله مأكولا. فأنا إذا أكلت مال غيري فسوف يأكل غيري مالي. فأكون قد عملت له أسوة ويأكل مالي أيضا، فكأنه سبحانه عندما يقول لك: لا تأكل مالك إنما ليحمي لك مالك.

إن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يصنع من المجتمع الإيماني مجتمعا واحدا، ويقول إن المال الذي عند كل واحد هو للكل. وأنك إن حافظت على مال غيرك حافظ غيرك على مالك. وأنت إن اجترأت على مال غيرك فسيجترئ المجموع على مالك. وأنت ساعة تأكل مال واحد تجريء آلاف الناس على أن يأكلوا مالك. وحين لا تأكل مال غيرك كأنك لم تأكل مالك. ﴿ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل.. ﴾ وكلمة " أكل " معناها: الأخذ لأن الأكل هو أهم ظاهرة من ظواهر الحياة لأنها الظاهرة المتكررة، فقد تسكن في بيت واحد طوال عمركن وتلبس جلبابا كل ستة أشهر، لكن أنت تتناول الأكل كل يوم، وحينما نزلت الآية قال المسلمون: نحن لا نأكل أموالنا بالباطل. وتحرجوا أن يأكلوا عند إخوانهم. وبعد ذلك رفع الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأوضح أن أكل التكارم ليس بالباطل - أنزل الله قوله:

ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبآئكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا..

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٩١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٩١٧