تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها ".

ويتابع الحق: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم.. ﴾ [النساء: 29] وهنا أيضا مقابلة جمع بجمع، ويعني: لا يقتل كل واحد منكم نفسه، وهذا ما يفعله المنتحر - ولا يقتل نفسه إلا إنسان وجد نفسه في ظرف لا يستطيع في حدود أسبابه أن يخرج منه. ونقول له: أنت نظرت لنفسك كإنسان معزول عن خالق أعلى، لكن المؤمن لا يعزل نفسه عن خالقه فساعة يأتيه ظرف فوق أسبابه ولا يقوى عليه فعليه أن يفكر: وهل أنا في الكون وحدي؟ لا، إن لي ربا. وما دام لي رب فأنا لا أقدر وهو - سبحانه - يقدر، وهنا يطرد فكرة الانتحار لأن المنتحر هو إنسان تضيق أسبابه عن مواجهة ظروفه فيقتل نفسه. وإن فائدة الإيمان أنه ساعة يأتي ظرف عليك وتنتهي أسبابك تقول: إن الله لن يخذلني وهو يرزقني من حيث لا أحتسب، ويفتح لي أبوابا ليست في بالي، وضربنا مثلا كي نقرب المعنى، وقلنا: هب أن إنسانا يسير في الطريق ومعه " جنيه واحد " في جيبه، ثم ضاع الجنيه، وليس في بيته إلا هو لذلك يحزن جدا على ذلك الجنيه. لكن من يضيع منه " جنيه " وعنده في البيت خمسة " جنيهات " فالمصيبة تكون خفيفة، كذلك من فقد أسبابه فعليه أن يخفف الأمر على نفسه فلا ييأس، فلم يقتل نفسه؟ الله يقول في الحديث القدسي:

" بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه جنتي ".

وهل أنت من وهبت الحياة لنفسك؟ لا، ولذلك فواهب الحياة هو الذي يأخذها، ومن ينتحر لا يدخل الجنة، لأنه لم يتذكر أن له إلها. ولنذكر هنا موقف قوم موسى عليه السلام عندما خرجوا، وطاردهم قوم فرعون. فماذا قال قوم موسى؟ قالوا:

إنا لمدركون

[الشعراء: 61]. وهذا كلام صحيح فأمامهم البحر ومن ورائهم فرعون، وهم قد قالوا ذلك بأسبابهم وبشريتهم. لكن ماذا قال سيدنا موسى.

قال كلا..

[الشعراء: 62]. و " كلا " هذه نفي، وكيف يقول موسى: " كلا " وما رصيدها؟ إنه لم يقل: " كلا " ببشريته، ولكن قالها برصيده من الإيمان بالإله العظيم فقال:

كلا إن معي ربي سيهدين

[الشعراء: 62]. إذن فقوله: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم.. ﴾ [النساء: 29] أي ولا يقتل كل واحد منكم نفسه لأنك لا تقتل نفسك إلا إذا ضاقت أسبابك عن مواجهة ما تعانيه، وهذا يدل على أنك عزلت نفسك عن ربك، ولو ظللت على الإيمان بأن لك خالقا لانفرجت عنك الكروب، وأي مسألة تأتي تقول:

إن معي ربي سيهدين

[الشعراء: 62]. إن الإيمان يعطيك صلابة استقبال الصعاب. وقد تأخذ ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم.. ﴾ [النساء: 29] معنى آخر أي، ولا تؤدوا بأنفسكم لأن تقتلوا، أي لا تلق بنفسك إلى التهلكة، أو ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم.. ﴾ [النساء: 29] على أن المؤمنين هم وحدة إيمانية، أو أن المشرع لهذه الوحدة قال: الذي يقتل يقتل فإياك أن تقتل نفسك، أي لا تقتل غيرك حتى لا يصير الأمر إلى أنك تقتل نفسك لأنه سيقتص منك. فقوله: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم.. ﴾ [النساء: 29] يعني: لا تفعلوا ما يؤدي بكم إلى القتل، ويحنن الحق الإنسان على نفسه وليس على الناس فحسب، فلا يقول لك: لا تقتل حتى لا تقتل، لأنه سبق أن قال:

ولكم في القصاص حيوة يأولي الألباب لعلكم تتقون

[البقرة: 179]. وعندما يعرف القاتل أنه إن قتل يقتل، فهو يتجنب ذلك، ونلحظ أن الحق قال في آية أخرى:

فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم..

[النور: 61]. وهل أنا سأسلم على نفسي أو على الناس الداخل عليهم؟ إن الإنسان يسلم على هؤلاء الناس، وعندما تقول: " السلام عليكم " ، يعني الأمان لكم. فسيقولون لك: " وعليكم السلام " فكأنك قد سلمت على نفسك. أو أن الحق قد جعل المؤمنين وحدة واحدة، ومعنى " وحدة " يعني أن ما يحدث لواحد يكون للكل. إذن فقوله: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم.. ﴾ [النساء: 29] أي ولا يقتل واحد منكم نفسه، فتصلح ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم.. ﴾ [النساء: 29] بمعنى: ولا يقتل واحد منكم نفسه بأن ينتحر، هذه واحدة، ولا يقتل واحد منكم نفسه بأن يلقي بها إلى التهلكة، أو لا يقتل واحد منكم نفسه بأن يقتل غيره فيقتل قصاصا، أو لا تقتلوا أنفسكم يعني: لا يقتل أحد منكم نفس غيره لأنكم وحدة إيمانية وليس واحدا بعينه هو المأمور بل الكل مأمور، فلا يقتل واحد منكم نفس غيره. ويذيل الحق الآية: ﴿ إن الله كان بكم رحيما ﴾ [النساء: 29]. وبالله، ساعة ينهاني الحق عن أن أقتل نفسي أو أقتل غيري، أليست هذه منتهى رحمة الصانع بصنعته؟ إنها منتهى الرحمة. ويقول سبحانه بعد ذلك: ﴿ ومن يفعل ذلك عدوانا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٩١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٩١٩