تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ".

وما دام المال عزيزا على الإنسان وأخذه من طريق الحركة وطريق الجد وطريق العرق فيجب ألا ينفقه إلا فيما يعود عليه بالخير العاجل ولا ينسى الخير الآجل، فإن هو حقق به خيرا عاجلا ثم سها وغفل عن شر آجل فهو لم يضع المال في موضعه. ﴿ أن تبتغوا بأموالكم محصنين ﴾ [النساء: 24] و " محصنين " كما عرفنا لها معان متعددة.

. " محصنين " أي متعففين أن تلغوا وتقعوا في أعراض الناس. بأموالكم، أي ضع مالك الذي كسبته بكد فيما يعود عليك بالخير العاجل والآجل، فلا تلغوا به في أعراض الناس لأنه من الممكن أن يبتغي إنسان لقاء امرأة بأمواله لكنه غير محصن، ونقول له: أنت حققت لذة ونفعا عاجلا ولكنك ذهلت عن شر آجل، يقول فيها ربنا: ﴿ محصنين غير مسافحين.. ﴾ [النساء: 24] ومنه أخذ السفاح. فإياك أن تدفع أموالك لكي تأخذ واحدة تقضي معها وطرا. فكلمة ﴿ محصنين.. ﴾ [النساء: 24] تعني التزام العفة، وشرح الحق كلمة محصنين بمقابلها وهو: مسافحين، من السفح وهو: الصب، والصب هطول ونزول الماء بقوة، فالماء قد ينزل نقطة نقطة، إنما السفح صب، ولذلك سمي سفح الجبل بذلك لأن الماء ينزل من كل الجبل مصبوبا. هنا يلاحظ أن الحق حين يتكلم عن الرجال يقول: ﴿ محصنين.. ﴾ [النساء: 24] بكسر الصاد، وحين يتكلم عن النساء يقول: ﴿ والمحصنات.. ﴾ [النساء: 24] بالفتحة. لم يقل " محصنات " بالكسرة، لأن العادة أن الذكورة هي الطالبة دائما للأنوثة، والأنوثة مطلوبة دائما. ﴿ غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن.. ﴾ [النساء: 24] والاستمتاع هو إدراك متعة للنفس، والمتعة توجد أولا في الخطبة، فساعة يخطب رجل امرأة فهذا استمتاع، وساعة يعقد عليها وساعة تزف له، هذه كلها مقدمات طويلة في الاستمتاع، لكن الاستمتاع ليس هو الغرض فقط، يقول لك: إذا استمتعت بهن فلا بد أن تعطيهن مهورهن، ولذلك إذا تزوج رجل بامرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها نقول له: ادفع نصف المهر لأنك أخذت نصف المتعة، فلو أن المتعة هي العملية الجنسية فقط لم يكن قد أخذ شيئا وبالتالي فلا شيء عليه من المهر، لكن نقول: إن المتعة في أنه تقدم إلى بنت فلان وخطب وعقد، كل هذه مقدمات متعة، فعندما يكون ذلك فإنه يكون قد استمتع بعض الشيء. الحق سبحانه وتعالى يريد منا أن نبني حياة الأسرة على طهر، وعلى أمن ملكات، فأنت تجد الرجل حين يكون بين أهله لا يجد غضاضة في أن يغلق عليها الباب، لكن تصور وجوده مع امرأة دون زواج، فالملكات النفسية تتصارع فيه، ويتربص، ويمكننا أن ننظر رجفته إذا سمع أي شيء، لأن ملكاته ليست منسجمة، هو سيمتع ملكة واحدة. لكن الملكات النفسية الباقية ملكات مفزعة، مما يدل على أن ما يفعله ليس أمرا طبيعيا، وما دام ليس أمرا طبيعيا فالملكات النفسية تناقضه، الحق سبحانه وتعالى يريد أن تبنى الأسرة على طهر وعلى أمن، وهذا الأمن النفسي يعطي لكل ملكات النفس متعة. وقلنا من قبل إن الإنسان إذا كان له بنت ثم رأى شابا يمر كثيرا على البيت ويلتفت كثيرا إلى الشرفة، ثم يقع بصر والد البنت عليه، ماذا يكون موقفه؟ تهيج كل جوارحه، فإذا ما جاء الولد أو أبوه وطرق الباب وقال: يا فلان أنا أريد أن أخطب ابنتك لنفسي، أو أريد ابنتك لابني.

ماذا يكون موقف والد الفتاة؟ إنه السرور والانشراح وتصبح الملكات راضية والنفس مطمئنة، ويتم إعلان البهجة وهو الذي يدعو الناس ويقيم فرحا لأن الذي خلق الزوجين الذكر والأنثى حينما شرع الالتقاء، أعطى في النفس البشرية وفي ذراتها رضا بهذا الحكم بالالتقاء. ولذلك روى:

" جدع الحلال أنف الغيرة ".

أي أن من يغار على ابنته هو الذي يوجه الدعوات لزواجها، فكأن الغيرة فيها حمية، وإن طلب عرض عن غير طريق خالق الأعراض فلا بد أن تهيج النفس، فإن طلبها على وفق ما شرع خالق الأعراض تطمئن النفس. وهذه عملية قد يكون من الصعب تصورها، فما الذي يسبب الرضا، ومن الذي يدفع في القلب الحمية والغضب والثورة؟ إنه - سبحانه - هو الذي يفعل ذلك. والإنسان عليه أن يلتفت إلى أن كلا منا مكون من ملكات متعددة، فعقد الزواج وقول: " زوجني " و " زوجتك " وحضور الشهود، ماذا يعمل في ذرات تكوين النفس لكي تسر؟ إنها إرادة الحق. وهذا شيء معروف وأنت حين يكون لك إنسان تعرفه فقط، والإلف السيال بينك وبينه ما زال في أوله ما يكفي عندما تقابله أن تلقي عليه السلام وينتهي الأمر، لكن هناك إنسان آخر لا يكفي هذا السيال الودي بينك وبينه، بل لا بد أن تسلم عليه بيدك لأن هناك جاذبية ومودة ولكل منهما تأثير. إذن فعملية الود والولاء أمر يصنع تغييرا كيماويا في النفس، ويكون التنافر إذا ما جاء اللقاء عن طريق ما حرم الله، والذي يأتي عن طريق ما شرع الله يحقق التجاذب. والشاعر عندما خاطب من يحبه قال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٩٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٩٠٥