ادعوهم لآبآئهم هو أقسط عند الله..
[الأحزاب: 5]. أي: إن دعاءهم لآبائهم
أقسط عند الله..
[الأحزاب: 5]. وكلمة ﴿ أقسط.. ﴾ [الأحزاب: 5] إياكم أن تكونوا بعدتم ونأيتم عن " عظيم " ف " أعظم " ، إنك ساعة تأتي بصيغة التفضيل يكون المقابل لها وصفا من جنسها، ف " أعظم " المقابل لها " عظيم " ، و " أقسط " المقابل لها " قسط " ، فما فعله رسول الله هو قسط وعدل، ولكن ما عدله الله أقسط مما صنعه رسول الله. إذن فيجب أن نفطن إلى أن الكمال البشري والعدل البشري شيء، والكمال الإلهي والعدل الإلهي شيء آخر. ومن نقله الله من عدل بشريته إلى عدل ألوهيته يكون قد تلقى نعمة كبرى. وإذا ما حاول المستشرقون أن يأخذوا هذه المسألة على أن ربنا عدل له ويحاولوا أن يلصقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم خطأ ما، نقول لهم: أنتم لا تحسنون تقدير الأمر ولا تفهمون المراد من ذلك، فالذي صوب هو الله الذي أرسله، وقد صوب له فعلا فعله في إطار البشرية، وقال الحق:
هو أقسط عند الله..
[الأحزاب: 5] ومن الذي يجعل البشر متساوين مع الله في القسط والعدل والكمال؟ إن هناك قصة طار بها المستشرقون فرحا وكذلك يروجها خصوم الإسلام من أبناء الإسلام لأن من مصلحة خصوم الإسلام، وكذلك الذين لا يحملون من الإسلام إلا اسمه يروجون أن هذا الدين يحتوي على أكاذيب - والعياذ بالله - فما دام الواحد منهم لا يقدر أن يحمل نفسه على منهج الدين لا يكون له مندوحة ولا نجاة إلا أن يقول: هذا الدين غير صحيح لأن هذا الدين إن كان صحيحا فسوف يهلك هو ومن على شاكلته، فيكذبون أنفسهم وينكرون على الدين أملا في النجاة في ظنهم إذ لا منجى ولا أمل لهؤلاء إلا أن يكون الدين كذبا كله. لننظر إلى القصة التي طار بها المستشرقون فرحا: النبي صلى الله عليه وسلم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وكان عبد المطلب له بنت اسمها: أميمة بنت عبد المطلب، وهي بذلك تكون أختا لعبد الله بن عبد المطلب. وأنجبت أميمة بنتا اسمها " برة " ، وغير النبي صلى الله عليه وسلم اسمها، لأنه صلوات الله وسلامه عليه كان له ملحظ في الأسماء، اسمها " برة ".
والاسم جميل لأنه من البر وهو صفة تجمع كل خصال الخير، لكن رسول الله كره أن يقال فيما بعد: خرج رسول الله من عند " برة " ، فسماها " زينب ". " برة " هذه هي بنت أميمة فهي ابنة عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزيد ابن حارثة - كما قلنا - كان طفلا ثم خطف وسرق، وبيع وانصرف إلى ملكية رسول الله، وبعد ذلك أراد رسول الله أن يكرمه على ما يقتضيه كماله البشري وعدله البشري فسماه " زيد بن محمد ". وعندما أراد زيد بن محمد أن يتزوج، زوجه رسول الله من " برة " على مضض منها، لأنه مولى، وهي بنت سيد قريش. وكان ملحظ الرسول صلى الله عليه وسلم أنه يريد أن يجعل من المسلمين مزيجا واحدا، فلا فرق بين مولى وسيد، وزوج بنت عمته لزيد، وبعد الزواج لم ينشأ بينهما ود، وكل هذه تمهيدات الأقدار للأقدار. بالله لو أنها كانت أخذته عن حب وكان بينهما وئام، وبعد ذلك أراد الله أن يشرع فهل يشرع على حساب قلبين متعاطفين متحابين ليمزقهما؟ لا، المسألة - إذن - تمهيد من أولها، فلم تكن لها رغبة فيه. وعندما يجد الرجل أن المرأة ليس لها رغبة فيه، تهيج كرامته، وخصوصا أنه صار ابنا بالتبني لرسول الله، ويكون رفض امرأة له مسألة ليست هينة، وتصعب عليه نفسه، فيأتي لرسول الله شاكيا، وقال له: لم تعجبني معاشرة " برة " وأريد أن أفارقها، وكان ذلك تمهيدا من الله سبحانه لأنه يريد أن ينهي مسألة التبني، فقد كانوا في الجاهلية يحرمون أن يتزوج الرجل امرأة ابنه المتبني، ولذلك يقول الحق:
وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه..