تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ".

وجاء القرآن بالأمور البارزة فيها فقط، ﴿ وأمهات نسآئكم.. ﴾ [النساء: 23] فإذا تزوج رجل من امرأة ولها أم، بالله أيتزوج أمها أيضا؟ إنها عملية غير مقبولة، ﴿ وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسآئكم اللاتي دخلتم بهن.. ﴾ [النساء: 23]. الربيبة هي بنت المرأة من غير زوجها، فقد يتزوج رجل من امرأة كانت متزوجة من قبل وترملت أو طلقت بعد أن ولدت بنتا هذه البنت يسمونها " ربيبة " وزوج الأم الجديدة سيدخلها في حمايته وفي تربيته، وبذلك تأخذ مرتبة البنوة. والأمر هنا مشروط: ﴿ من نسآئكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم.. ﴾ [النساء: 23] فما دام الرجل قد عقد على المرأة ولم يدخل بها تكون بنتها غير محرمة. أما العقد على البنت حتى دون دخول فإنه يحرم الأمهات. ﴿ وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم.. ﴾ [النساء: 23] أي زوجة الابن، وكلمة ﴿ من أصلابكم.. ﴾ [النساء: 23] تدل على أنه كان يطلق لفظ " الأبناء " على أناس ليسوا من الأصلاب، وإلا لو أن كلمة " الأبناء " اقتصرت في الاستعمال على أولاد الإنسان من صلبه، لما قال: ﴿ أبنائكم الذين من أصلابكم.. ﴾ [النساء: 23]. إذن كان يوجد في البيئة الجاهلية أبناء ليسوا من الأصلاب هم أبناء التبني، وكانت هذه المسألة شائعة عند العرب، فكان الرجل يتبنى طفلا ويلحقه بنسبه ويطلق عليه اسمه ويرثه. وجاء الإسلام ليقول: لا، لا يصح أن تنسب لنفسك من لم تنجبه، لأنه سيدخل في مسألة أخوة لابنتك مثلا، وسيدخل على محارمك، ولذلك أنهى الله هذه المسألة، وجاء هذا الإنهاء على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كانت المسألة متأصلة عند العرب. ونعلم أن زيد بن حارثة خطف من أهله، وبعد ذلك بيع على أنه رقيق، واشتراه حكيم بن حزام. وأخذته سيدتنا خديجة وبعد ذلك وهبته لسيدنا رسول الله.

وصار زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندما علم أهل زيد أن ولدهم الذي خطف قديما موجود في مكة جاءوا إليها، فرأوا زيد بن حارثة، ولما سألوه أن يعود معهم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أخيره بين أن يذهب معكم أو أن يبقى معي، انظروا إلى زيد بن حارثة كيف صنع به إيمانه وحبه لسيدنا رسول الله: قال: ما كنت لأختار على رسول الله أحدا. وظل مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأراد الرسول أن يكرمه على العادة التي كانت شائعة فسماه " زيد بن محمد " وتبناه. إذن فالمسألة وصلت إلى بيت النبوة. التبني وصل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأراد الله أن ينهى هذه المسألة فقال سبحانه:

ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم..

[الأحزاب: 40]. هذا يدل على أن صرامة التشريع لا تجامل أحدا حتى ولا محمدا بن عبد الله وهو رسول،

ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم..

[الأحزاب: 40]. وبعض الناس الذين يتسقطون للقرآن يقولون: إن رسول الله كان عنده إبراهيم وكان عنده الطيب وكان عنده القاسم، ونقول: أكان هؤلاء رجالا؟! لقد ماتوا أطفالا، والكلام

ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم..

[الأحزاب: 40]، وهب أنهم كبروا وصاروا رجالا، أقال من رجالكم أم من رجاله؟ قال:

ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم..

[الأحزاب: 40] أي لا يمنع أن يكون أبا أحد من رجاله، هو أبو القاسم وأبو الطيب وأبو إبراهيم هم أولاده فافهموا القول. وهذه المسألة أخذت ضجة عند خصوم الإسلام والمستشرقين والحق سبحانه وتعالى وإن كان قد عدل لرسوله صلى الله عليه وسلم، فتعديل الله لرسوله يشرف رسوله صلى الله عليه وسلم لأن من الذي يعدل لمحمد؟ إنه الله الذي أرسله. ويقول: ﴿ وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم.. ﴾ [النساء: 23]. ومفهوم هذه العبارة أن المحرمة إنما هي حليلة الابن من الصلب. وقوله: ﴿ من أصلابكم.. ﴾ [النساء: 23] يدل على أنه كان هناك أبناء ليسوا من الصلب، إذن فالتبني كان موجودا قبل نزول هذا الحكم، وأراد الله أن يبطل عادة التبني، وكانت متغلغلة في الأمة العربية، فأبطلها على يد سيدنا رسول الله، لا مشرعا ينقل حكم الله فحسب، ولكن مطبقا يطبق حكم الله في ذاته وفي نفسه حتى يأخذ الحكم قداسته، ويجب أن نفطن إلى أن فكرة التبني كانت في ذاتها تهدف إلى أن ولدا نجيبا يلحقه رجل به ليعطيه كل حقوق أولاده كلون من التكريم. ولذلك علينا أن نلحظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تصرف بالكمال البشري في إطار العدل البشري، والعدل هو: القسط، وساعة تبني زيد بن حارثة وسماه زيد بن محمد إنما كان يهدف إلى أن يعوضه والده، لأن زيدا اختار رسول الله على أبيه، إذن فكان ذلك التبني من رسول الله كمالا وعدلا بشريا بالنسبة للوفاء لواحد آثر اختياره على اختيار أهله فإذا أراد الله أن يصوب فيكون كمالا إلهيا وعدلا إلهيا، فلا غضاضة عند أحد أن يصوب الكمال البشري بالكمال الإلهي، ولا أن يصوب العدل البشري والقسط البشري بالعدل الإلهي والقسط الإلهي، وأنزل الله وهو أحكم القائلين هذا الحكم بعبارة تعطي ذلك كله:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٨٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٨٩٩