[الأحزاب: 37]. وما دام يقول له:
أمسك عليك زوجك..
[الأحزاب: 37] فالكلام إذن قد جاء معبرا عن رغبة زيد في أن يفارقها، لكن خصوم الإسلام وأبواقهم من المسلمين يقولون في قوله:
وتخفي في نفسك..
[الأحزاب: 37] إن محمدا كان معجبا بالمرأة ويريد أن يتزوجها، ويخفي هذه الحكاية. نقول لهم: كونوا منطقيين وافهموا النص، فربنا يقول:
وتخفي في نفسك..
[الأحزاب: 37]، أنتم أخذتم منها أن النبي كان يريد أن يتزوجها. والحق قال:
وتخفي في نفسك ما الله مبديه..
[الأحزاب: 37]. فإذا كنت تريد أن تعرف ما أخفاه رسول الله، فاعرف ما أبداه الله، هذه هي عدالة الاستقبال، وبدلا من أن تقول هذا الكلام كي تشفي مرض نفسك انظر كيف أعطاك ربنا من تفاصيل الحكاية.
قال سبحانه:
وتخفي في نفسك ما الله مبديه..
[الأحزاب: 37] فماذا أبدى ربنا؟ وحين يبدي ربنا أمرا يكون هو عين ما أخفاه رسوله، فلما ذهب زيد للنبي وقال له: أريد أن أفارق " برة " قال له:
أمسك عليك زوجك..
[الأحزاب: 37] لأن رسول الله علم من الله أنه يريد أن يزوجه " برة " التي هي امرأة زيد الذي تبناه كي ينهى مسألة التبني، وأن امرأة المتبني لا تحرم على الرجل، ويطبقها رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسه. لكن هناك أناس ما زال عندهم مرض في قلوبهم، وأناس منافقون، والرسول عليه الصلاة والسلام أراد أن يكون هذا الأمر واردا من الله في قرآنه. فلو كان قد قال هذا الأمر بمجرد الإيحاء الذي جعله الله بينه وبينه لقالوا: هذا كلام منه هو لذلك قال محمد صلى الله عليه وسلم لزيد: أمسك عليك زوجك، فينزل ربنا الأمر كله قرآنا، فلم يقل محمد: ألهمني ربنا، أو ألقى في روعي، لا، جاء هذا الأمر قرآنا، ولذلك يقدم الحق سبحانه وتعالى لهذه المسألة في سورة الأحزاب فيقول:
وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا * وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيآئهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا
[الأحزاب: 36-37]. فالله أنعم على زيد بالإسلام وأنعمت أنت يا رسول الله عليه بالتبني فلا تخش الناس أن يقولوا: طلق المرأة من زيد ليتزوجها. كأن زواج " زيد " من " زينب " ، كان لغاية واحدة وهي أن تكون " برة " التي سماها رسول الله " زينب " منكوحة لزيد الذي تبناه رسول الله بدليل:
فلما قضى زيد منها وطرا..
[الأحزاب: 37] أي أدى المهمة، فأردنا أن نعطي الحكم: " زوجنا " فمن الذي زوج؟ إنه الله، وليس رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي تزوج. فإن كنتم تريدون أن تصعدوا المسألة فاتركوا رسول الله في حاله، وصعدوها إلى ربنا، فقوله سبحانه:
فلما قضى زيد منها وطرا..
[الأحزاب: 37] يدل على أن أصل الزواج من البداية ممهد له، فالغاية منه أن يقضي زيد منها وطرا وهو متبنى رسول الله، ويكون هذا الزواج عن كره منها، إنها غير موافقة عليه، وتنتقل المسألة عند زيد إلى عزة ويقول: لا أريدها. ويذهب إلى الرسول ويقول: أريد أن أطلق " برة " فيقول له الرسول:
أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه..
[الأحزاب: 37]. والذي أبداه الله هو قوله لرسوله:
فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها..
[الأحزاب: 37] كأن الغاية من النكاح أن يقضي زيد منها وطرا وتنتهي الحكاية بالنسبة لزيد، ويأتي الحكم بالنسبة لرسول الله فيقول ربنا
زوجناكها..
[الأحزاب: 37]. فالذي يريد أن يمسك المسألة لا يمسكها على الرسول، لكن عليه أن يصعدها إلى ربنا،
زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيآئهم إذا قضوا منهن وطرا..