تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[الملك: 15]. والأنثى تجلس في بيتها تديره لتكون سكنا يسكن إليها، والرجل هو المتحرك في هذا الكون، وهي بذلك تؤدي مهمتها. وبعدما قال: ﴿ اتقوا ربكم.. ﴾ [النساء: 1] يقول: ﴿ اتقوا الله.. ﴾ [النساء: 1] لقد قدم الدليل أولا على أنه إله قادر، وخلقكم من عدم وأمدكم وسخر العالم لخدمتكم، وقدم دليل البث في الكون المنشور الذي يوضح أنه إله، فلا بد أن تتلقوا تعليماته، ويكون معبودا منكم، أي مطاعا، والطاعة تتطلب منهجا: افعل ولا تفعل، وأنزل الحق القرآن كمنهج خاتم، ويقول: ﴿ واتقوا الله الذي تسآءلون به.. ﴾ [النساء: 1]. انظر إلى " القفشة " ، للخلق الجاحد، إنه - سبحانه - بعد أن أخذهم بما يتعاملون ويتراحمون ويتعاطفون به أوضح لهم: أنتم مع أنكم كنتم على فترة من الرسل إلا أن فطرتكم التي تتغافلون عنها تعترف بالله كخالق لكم. وأنت إذا أردت إنفاذ أمر من الأمور، وتريد أن تؤثر على من تطلب منه أمرا، تقول: سألتك بالله أن تفعل ذلك، لقد أخذ منهم الدليل، فكونك تقول: سألتك بالله أن تفعل ذلك فلا بد أنك سألته بمعظم، إذن فتعظيم الله أمر فطري في البشر، والمطموس هو المنهج الذي يقول: افعل ولا تفعل. والإنسان من هؤلاء الجاحدين عندما يسهو، ويطلب حاجة تهمه من آخر، فهو يقول له: سألتك بالله أن تفعل كذا. ومادام قد قال: سألتك بالله فكأن هناك قضية فطرية مشتركة هي أن الله هو الحق، وأنه هو الذي يسأل به، وما دام قد سئل بالله فلن يخيب رجاء من سأله.

إنه في الأمور التي تريدون بها تحقيق مسائلكم تسألون بالله وتسألون أيضا بالأرحام وتقولون: بحق الرحم الذي بيني وبينك، أنا من أهلك، وأنا قريبك وأمنا واحدة، أرجوك أن تحقق لي هذا الأمر. ولماذا جاءت " الأرحام " هنا؟ لأن الناس حين يتساءلون بالأرحام فهم يجعلون المسئولية من الفرد على الفرد طافية في الفكر، فما دمت أنا وأنت من رحم واحد، فيجب أن تقضي لي هذا الشيء. إذن فمرة تسألون بالله الذي خلق، ومرة تسألون بالأرحام لأن الرحم هو السبب المباشر في الوجود المادي، ومثال ذلك قول الحق:

واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا..

[النساء: 36]. لقد جاء لنا بالوالدين اللذين هما السبب في إيجادنا، والله يريد من كل منا أن يبر والديه، ولكن قبل ذلك لابد أن ينظر إلى الذي أوجدهما، وأن يصعد الأمر قليلا ليعرف أن الذي أوجدهما هو الله سبحانه. ويختم الحق الآية بقوله: ﴿ إن الله كان عليكم رقيبا ﴾ [النساء: 1] لأن كلمة ﴿ اتقوا.. ﴾ [النساء: 1] تعني اجعل بينك وبين غضب ربك وقاية بإنفاذ أوامر الطاعة، واجتناب ما نهى الله عنه ﴿ إن الله كان عليكم رقيبا ﴾ [النساء: 1]، والرقيب من " رقب " إذا نظرت ويقال: " مرقب " ، ونجد مثل هذا المرقب في المنطقة التي تحتاج إلى حراسة، حيث يوجد " كشك " مبني فوق السور ليجلس فيه الحارس كي يراقب. ومكان الحراسة يكون أعلى دائما من المنطقة المحروسة، وكلمة " رقيب " تعني ناظرا عن قصد أن ينظر، ويقولون: فلان يراقب فلانا أي ينظره، صحيح أن هناك من يراه ذاهبا وآتيا من غير قصد منهم أن يروه، لكن إن كان مراقبا، فمعنى ذلك أن هناك من يرصده وسبحانه يقول: ﴿ إن الله كان عليكم رقيبا ﴾ [النساء: 1] فليس الله بصيرا فقط ولكنه رقيب أيضا - ولله المثل الأعلى. نحن نجد الإنسان قد يبصر مالا غاية له في إبصاره، فهو يمر على كثير من الأشياء فيبصرها، لكنه لا يرقب إلا من كان في باله. والحق سبحانه رقيب علينا جميعا كما في قوله:

إن ربك لبالمرصاد

[الفجر: 14]. وبعد أن تكلم سبحانه عن خلقنا أبا وأما وأنه بث منهما رجالا كثيرا ونساء، أراد أن يحمي هذه المسألة وأن يحمي المبثوث. والمبثوث قسمان: قسم اكتملت له القوة وأصبحت له صلاحية في أن يحقق أموره النفعية بذاته، وقسم ضعيف ليست له صلاحية في أن يقوم بأمر ذاته، ولأنه سبحانه يريد تنظيم المجتمع لذلك لابد أن ينظر القادرون في المجتمع إلى القسم الضعيف في المجتمع، ومن القسم الضعيف الذي يتكلم الله عنه هنا؟ إنهم اليتامى، لماذا؟ لأن الحق سبحانه حينما خلقنا من ذكر وأنثى، آدم وحواء، جعل لنا أطوارا طفولية، فالأب يكدح والأم تحضن، ويربيان الإنسان التربية التي تنبع من الحنان الذاتي ونعرف أن الحنان الذاتي والعاطفة يوجدان في قلب الأبوين على مقدار حاجة الابن إليهما، الصغير عادة يأخذ من حنان الأب والأم أكثر من الكبير، وهذه عدالة في التوزيع، لأنك إذا نظرت إلى الولد الصغير والولد الكبير والولد الأكبر، تجد الأكبر أحظهم زمنا مع أبيه وأمه والصغير أقلهم زمنا، فيريد الحق أن يعوض الصغير فيعطي الأب والأم شحنة زائدة من العاطفة تجاهه، وأيضا فإن الكبير قد يستغني والصغير ما زال في حاجة، ولذلك قال سبحانه في أخوة يوسف:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٨٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٨٥٢