و " النشر " معناه تفريق المنشور في الحيز، فهناك شيء مطوي وشيء آخر منشور، والشيء المطوي فيه تجمع، والشيء المنشور فيه تفريق وتوزيع، إذن فحيز الشيء المتجمع ضيق، وحيز الشيء المبثوث واسع، معنى هذا أن الله سبحانه وتعالى حينما يقول ﴿ وبث منهما.. ﴾ [النساء: 1] أي من آدم وحواء ﴿ رجالا كثيرا ونسآء.. ﴾ [النساء: 1] واكتفى بأن يقول " نساء " ولم يقل: كثيرات لماذا؟ لأن المفروض في كل ذكورة أن تكون أقل في العدد من الأنوثة. وأنت إذا نظرت مثلا في حقل فيه نخل، تجد كم ذكرا من النخيل، وكم أنثى؟ ستجد ذكرا أو اثنين. إذن القلة في الذكورة مقصودة لأن الذكر مخصب ويستطيع الذكر أن يخصب آلافا، فإذا قال الله: ﴿ وبث منهما رجالا كثيرا.. ﴾ [النساء: 1] فالذكورة هي العنصر الذي يفترض أن يكون أقل كثيرا، فماذا عن العنصر الثاني وهو الأنوثة؟ لابد أن يكون أكثر، والقرآن يأتي لينبهك إلى المعطيات في الألفاظ لأن المتكلم هو الله، ولكن إذا نظرت لقوله: ﴿ وبث منهما.. ﴾ [النساء: 1] أي من آدم وحواء وهما اثنان ﴿ رجالا كثيرا ونسآء.. ﴾ [النساء: 1] فتكون جمعا وهذا ليدلك على أن المتكاثر يبدأ بقلة ثم ينتهي بكثرة. ونريد أن نفهم هذه كي نأخذ منها الدليل الإحصائي على وجود الخالق، فهو ﴿ بث منهما رجالا كثيرا ونسآء.. ﴾ [النساء: 1] والجمع البشري الذي ظهر من الاثنين سيبث منه أكثر، وبعد ذلك يبث من المبثوث الثاني مبثوثا ثالثا، وكلما امتددنا في البث تنشأ كثرة، وعندما تنظر لأي بلد من البلاد تجد تعداده منذ قرن مضى أقل بكثير جدا من تعداده الآن، مثال ذلك كان تعداد مصر منذ قرن لا يتعدى خمسة ملايين، ومن قرنين كان أقل عددا، ومن عشرة قرون كان أقل، ومن عشرين قرنا كان أقل، إذن فكلما امتد بك المستقبل بالتعداد يزيد، لأنه سبحانه يبث من الذكورة والأنوثة رجالا كثيرا ونساء وسيبث منهم أيضا عددا أكبر. إذن فكلما تقدم الزمن تحدث زيادة في السكان، ونحن نرى ذلك في الأسرة الواحدة، إن الأسرة الواحدة مكونة عادة من أب وأم، وبعد ذلك يمكن أن نرى منهما أبناء وأحفادا وعندما يطيل الله في عمر أحد الوالدين يرى الأحفاد وقد يرى أحفاد الأحفاد. إذن كلما تقدم الزمن بالمتكاثر من اثنين يزداد وكلما رجعت إلى الماضي يقل فالذين كانوا مليونا من قرن كانوا نصف مليون من قرنين، وسلسلها حتى يكونوا عشرة فقط، والعشرة كانوا أربعة، والأربعة كانوا اثنين والإثنان هما آدم وحواء. فعندما يقول الحق: إنه خلق آدم وحواء، وتحاول أنت تسلسل العالم كله سترجعه لهما، وما دام التكاثر ينشأ من الاثنين، فمن أين جاءا؟ الحق سبحانه يوضح لنا ذلك بقوله:
إنا خلقناكم من ذكر وأنثى..
[الحجرات: 13] وهو بذلك يريحنا من علم الإحصاء. وكان من الضروري أن تأتي هذه الآية كي تحل لنا اللغز في الإحصاء، وكلما أتى الزمن المستقبل كثر العالم وكلما ذهبنا إلى الماضي قل التعداد إلى أن يصير وينتهي إلى اثنين، وإياك أن تقول إلى واحد، لأن واحدا لا يأتي منه تكاثر، فالتكاثر يأتي من اثنين ومن أين جاء الاثنان؟ لابد أن أحدا خلقهما، وهو قادر على هذا، ويعلمنا الله ذلك فيقول: ﴿ خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونسآء ﴾ [النساء: 1] ونأخذ من " بث " " الانتشار " ولو لم يقل الله هذا لكانت العقول الحديثة تتوه وتقع في حيرة وتقول: نسلسل الخلق حتى يصيروا اثنين، والإثنان هذان كيف جاءا؟ - إذن لابد أن نؤمن بأن أحدا قد أوجدهما من غير شيء. ﴿ وبث منهما رجالا كثيرا.. ﴾ [النساء: 1] لأن النشر في الأرض يجب أن يكون خاصا بالرجل، فالحق يقول:
فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله..
[الجمعة: 10]. والحق يقول:
فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه..