تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ربنآ إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار

[آل عمران: 192]. فأول حاجة فكروا فيها هي درء المفسدة لأن أفاضل الناس يتهمون أنفسهم بالتقصير دائما لذلك قالوا: ﴿ ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا.. ﴾ [آل عمران: 193]. وعندما ننظر إلى معطيات القرآن نجد أن " الذنب " شيء، و " السيئة " شيء آخر. فالذنب يحتاج إلى غفران، والسيئة تحتاج إلى تكفير، على سبيل المثال " كفارة اليمين " تكون واجبة إذا ما أقسم المؤمن يمينا وحنث فيه، وهذا التكفير هو المقابل للحنث في اليمين، أما الأشياء التي تتعلق بالمعصية بين العبد وربه فهي الذنب، والسيئة هي الأمر الذي يخالف منهج الله مع عباد الله. فحين تفعل المعصية في أمر بينك وبين الله فأنت لم تسيء إلى الله، فمن أنت أيها الإنسان من منزلة الله؟ لكنك بالمعصية تذنب، والذنب تأتي بعده العقوبة. أما مخالفة منهج الله مع عباد الله فهي سيئة لأنك بها تكون قد أسأت. لذلك فالمؤمنون قالوا: ﴿ ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا.. ﴾ [آل عمران: 193]. ومن الذي هداهم إلى معرفة أن هناك فرقا بين الذنب والسيئة؟ وأن الذنب يحتاج إلى غفران، وأن السيئة تحتاج إلى تكفير؟ إنه الرسول صلى الله عليه وسلم حامل الرسالة من الله. هو الذي علمنا الفرق بين الذنب والسيئة. فقد كان جالسا بين أصحابه فأخذته سنة من النوم، ثم استيقظ فضحك. فعن أنس رضي الله عنه قال:

" بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه فقال عمر رضي الله عنه: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: رجلان جثيا من أمتي بين يدي رب العزة فقال أحدهما: يا رب خذ لي مظلمتي من أخي. قال الله: أعط أخاك مظلمته. قال يا رب: لم يبق من حسناتي شيء، قال: يا رب يحمل عني من أوزاري. وفاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبكاء ثم قال: إن ذلك ليوم عظيم، يوم يحتاج الناس إلى أن يتحمل عنهم من أوزارهم. فقال الله للطالب: ارفع بصرك فانظر في الجنان فرفع رأسه فقال: يا رب أرى مدائن من فضة وقصورا من ذهب مكللة باللؤلؤ لأي نبي هذا؟ لأي صديق هذا؟ لأي شهيد هذا؟ قال: هذا لمن أعطى الثمن. قال: يا رب ومن يملك ثمنه؟ قال: أنت. قال: بماذا؟ قال: بعفوك عن أخيك. قال: يا رب قد عفوت عنه، قال: خذ بيد أخيك فأدخله الجنة. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فإن الله يصلح بين المؤمنين يوم القيامة ".

هذا هو معنى التكفير أي أن نتحمل لذلك نقول في الدعاء كما علمنا: " اللهم ما كان لك منها فاغفره لي، وما كان لعبادك فتحمله عني ". أي أن العبد يطلب أن يراضي الحق عباده من عنده، وما عنده لا ينفد أبدا. والعباد المؤمنون يقولون: ﴿ ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ﴾ [آل عمران: 193]. أي اختم لنا سبحانك هذا الختام مع الأبرار. ومن بعد ذلك يأتي قوله تعالى حكاية عنهم: ﴿ ربنا وآتنا ما وعدتنا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٨٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٨٤١