هل امتلأت..
[ق: 30] وتقول
هل من مزيد
[ق: 30]. وذلك مما يدل على أن كلمة: " تميز من الغيظ " حقيقة ولذلك يبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النار لها جاذبية، فالنار إنما كانت نتيجة المعصية في الدنيا، والمعصية في الدنيا هي التي تجذب العصاة، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك:
" مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا فجعل الفراش والجنادب يقعن فيها وهو يذبهن عنها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي "
انظر إلى التشبيه الجميل - حين توقد نارا في خلاء فأول مظهر هو أن ترى الفراش والهوام والبعوض تأتي على النار، ولذلك يقولون: رب نفس عشقت مصرعها. لقد جاءت تلك الحشرات على أساس أنها جاءت للنور، إننا نرى ذلك عندما نشعل موقدا في الخلاء فأنت تجد حوله الكثير من هذه الحشرات صرعى، تلك الحشرات عشقت مصرعها، إنها قد جاءت إلى النور ولكن النار أحرقتها، كذلك الإنسان العاصي يعشق مصرعه لأنه لا يعرف أن هذه الشهوة ستدخله النار.
﴿ فمن زحزح عن النار ﴾ [آل عمران: 185] أي أن النار لها جاذبية مثل جاذبية المعصية عندما تأخذ الإنسان، ومجرد الزحزحة عن النار، حتى وإن وقف بينهما لا في النار ولا في الجنة فهذا حسن، فما بالك إن زحزح عن النار وأدخل الجنة؟ لقد زال منه عطب وأعطى صالحا. وهذه حاجة حسنة، وهذا هو السبب في أن النار مضروب على متنها الصراط الذي سنمر عليه، لماذا؟ حتى يرى المؤمن النار.. وهو ماش على الصراط التي لو لم يكن مؤمنا لنزل فيها، فيقول: الحمد لله الذي نجاني من تلك النار. ﴿ فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ﴾ [آل عمران: 185] والفوز هو النجاة مما تكره، ولقاء ما تحب، مجرد النجاة مما تكره نعمة، وأن تذهب بعد النجاة مما تكره إلى نعمة، فهذا فوز. ونلحظ في ﴿ زحزح ﴾ أن أحدا غيره قد زحزحه. نعم لأن الله تكرم عليه أولا في حياته بفيض الإيمان وهو الذي زحزحه عن النار أيضا. ويذيل الحق الآية بقوله تعالى: ﴿ وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ﴾ [آل عمران: 185]. وعندما يصف الحق سبحانه الحياة التي نعرفها بأنها " دنيا " ففي ذلك ما يشير إلى أن هناك حياة توصف بأنها " غير دنيا " وغير الدنيا هي " العليا " ، ولذلك يقول الحق في آية أخرى:
وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون
[العنكبوت: 64]. أي هي الحياة التي تستحق أن تسمى حياة لأن الدنيا لا يقاس زمانها ببدايتها إلى قيام الساعة، لأن تلك الحياة بالنسبة للكون كله، ولكن لكل فرد في الحياة دنيا ليس عمرها كذلك، وإنما دنيا كل فرد هي مقدار حياته فيها. ومقدار حياته فيها لا يعلم أهو لحظة أم يوم أم شهر أم قرن. وقصارى الأمر أنها محدودة حدا خاصا لكل عمر، وحدا عاما لكل الأعمار. والمتعة في الدنيا على قدر حظ الإنسان في المتع، فهي على قدر إمكاناته. فإذا نظرنا إلى الدنيا بهذا المعيار فإن متاعها يعتبر قليلا، ولهذا لا يصح ولا يستقيم أن يغتر الإنسان بهذه المتعة متذكرا قول الله:
كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى
[العلق: 6-7]. فالغرور إذن أن تلهيك متعة قصيرة الأجل عن متعة عالية لا أمد لانتهائها، فحتى لا يغتر عائش في الدنيا فيلهو بقليلها عن كثير عند الله في الآخرة يجب أن يقارن متعة أجلها محدود وإن طال زمانها بمتعة لا أمد لانتهائها، متعة على قدر إمكاناتك ومتعة على قدر سعة فضل الله لذلك كانت الحياة الدنيا متاع غرور ممن غر بالتافه القليل عن العظيم الجليل. والله لم يظلم الدنيا فوصفها أنها متاع، ولكن نبهنا إلى أنها ليست المتاع الذي يغتر به فيلهي عن متاع أبقى، إنه الخلود.
وبعد ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى لرسوله ولأتباع رسوله قضية تنشئ فيهم وتؤكد لهم أن الإيمان وحده خير جزاء للمؤمن، وإن لم يتأت له في الدنيا شيء من النعيم، ولذلك أراد أن يوطنهم على أن الذين يدخلون الإيمان، لا يوطنون أنفسهم على أن الايمان دائما منتصر، فلو كان دائما منتصرا لوطن كل واحد نفسه عليه ورضيه لأنه يضمن له حياة مطمئنة لذلك كان لا بد أن يوضح لهم: أن هناك ابتلاءات. فالقضية الإيمانية أن تبتلوا، وموقع البلاء في نفوسكم أو في أموالكم، فقال: ﴿ لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين... ﴾.