تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم

[الحديد: 11]. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - نحن البشر قد نضطر إلى هذا الموقف فالواحد منا عندما يعطي أبناءه مصروف اليد، فكل ابن يدخر ما يبقى منه، وبعد ذلك يأتي ظرف لبعض الأبناء يتطلب مالا ليس في مكنة الوالد ساعة يأتي الحدث. فيقول الوالد لأبنائه: أقرضوني ما في " حصالاتكم " ، وسأردها لكم مضاعفة، هو أخذها لأخيهم، لكن لأنه الذي وهب أولا فلم يرجع في الهبة، لكنه طلبها قرضا. وعندما يأتي أول الشهر فهو يرد القرض مضاعفا، فإن كان ذلك ما يحدث في مجال البشر فما بالنا بما يحدث من الخالق الوهاب لعباده؟.

هو سبحانه يقول:

من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا

[الحديد: 11]. لكن اليهودي لم يأخذ المسألة بهذا الفهم، لكنه أخذها بغباء المادة فقال: إن الله فقير ونحن أغنياء. لذلك قال الحق سبحانه: ﴿ لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنيآء سنكتب ما قالوا ﴾ [آل عمران: 181]. ولماذا يكتب الله ذلك وهو العالم بكل شيء؟. جاء هذا القول ليدل على التوثيق أيضا، فعندما يأتي هذا الرجل ليقرأ كتابه يوم القيامة يجدها مكتوبة فالكتابة لتوثيق ما يمكن أن ينكر - بالبناء للمجهول - فإذا كان العلم من الله فقط فالعبد قد يقول: - إنك يارب الذي تعاقب. فلك أن تقول ما تقول. فإذا ما كان مكتوبا عليهم ليقرأوه. فهذا توثيق لا يمكن إنكاره. ولم يفهم ذلك اليهودي أن القرض لله هو تلطف من الحق سبحانه وتعالى واستدرار لحنان الإنسان على الإنسان. فقد شاء الحق أن يحترم أثر مجهودك وعرقك أيها الإنسان، فإن وصلت إلى شيء من المال فهو مالك. ولم يقل الله لك: أعط أخاك، فسبحانه وتعالى تلطف مع خلقه يقول: أقرضني ليضمن الإنسان أن ما أعطاه إنما هو عند ملئ. لكن أدب بني إسرائيل مع الله مفقود، فقد قالوا من قبل:

وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشآء..

[المائدة: 64]. وسبب ذلك أنه أصابتهم سنة وجدب وذلك بسبب تكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس: " إن الله وسع على اليهود في الدنيا حتى كانوا أكثر الناس مالا، فلما عصوا الله وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وكذبوه ضيق الله عليهم في زمنه صلى الله عليه وسلم، فقال فنحاص بن عازوراء ومن معه من يهود: يد الله مغلولة فأنزل الله هذه الآية. إنهم قالوا: السماء بخلت علينا ويد الله مغلولة، فلم تعطنا رزقا. هكذا كان اجتراؤهم في الحديث عن الله " يد الله مغلولة " ونعرف أن " الغل " هو ربط اليدين بسلسلة. وهاهم أولاء يجترئون مرة أخرى فيقولون: " إن الله فقير ". ويورد الحق سبحانه كل ذلك تسلية لسيدنا محمد حتى إذا ما اجترأوا عليه بكلمة أو على أصحابه باستهزاء، فسبحانه يوضح لرسوله: أنهم لم يصنعوا ذلك معك ولا مع أتباعك، إن هذا هو موقفهم مني أنا فإذا كان موقفهم وسوء أدبهم وصل بهم إلى أن يجترئوا على الذات المقدسة العلية، ويقولون: ﴿ إن الله فقير ونحن أغنيآء ﴾ [آل عمران: 181] ويقولون:

يد الله مغلولة

[المائدة: 64]. أفتحزن وتأسى على أن يقولوا لك أو لأتباعك أي شيء يسيء إليكم؟ إنها نعمت المواساة من الله لرسوله ونعمت التسلية. ويضيف الحق: ﴿ سنكتب ما قالوا ﴾ [آل عمران: 181].

لماذا يكتب الله ما قالوا مع أن علمه أزلي لا ينسى؟

لا يضل ربي ولا ينسى

[طه: 52]. لقد جاءت كلمة " سنكتب " حتى لا يؤاخذهم سبحانه وتعالى يوم القيامة بما يقول هو إنهم فعلوه، ولكن بما كتب عليهم وليقرأوه بأنفسهم، وليكون حجة عليهم، كأن الكتابة ليست كما نظن فقط، ولكنها تسجيل للصوت وللأنفاس، ويأتي يوم القيامة ليجد كل إنسان ما فعله مسطورا:

اقرأ كتبك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٨١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٨١٨