[الأنفال: 12]. ويأتي الحق من بعد ذلك بما يصدق القضية: ﴿ فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم ﴾ [آل عمران: 174]. وهذه القضية يجب أن يستشعرها كل مؤمن يتعرض لتمحيص الحق له، وعلى كل مسلم أن يتذكر تلك التجربة، تجربة أحد، فليلة واحدة كانت هي الفارق بين يوم معركة أحد ويوم الخروج لملاحقة الكفار في حمراء الأسد، ليلة واحدة كانت في حضانة الله وفي ذكر لتجربة التمحيص التي مر بها المؤمنون إنها قد فعلت العجب لأنهم حينما طاردوا الكفار، لم يأبهوا لمحاولات الحرب النفسية التي شنها عليهم الأعداء، بل زادهم ذلك إيمانا وقالوا: ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ [آل عمران: 173]. إذن فقد تجردوا من نفوسهم ومن حولهم ومن قوتهم ومن عددهم ومن أي شيء إلا أن يقولوا: الله كافينا وهو نعم الوكيل لمن عجز عن إدراك بغيته. لقد عرفوا الأمر المهم، وهو أن يكون كل منهم دائما في حضانة ربه، وقد أخذ صحابة رسول الله وآل بيت رسول الله هذه الجرعة الإيمانية واستنبطوا منها الكثير في حل قضاياهم. وقول الله سبحانه: ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ [آل عمران: 173] يذكرنا بالإمام جعفر الصادق ابن سيدي محمد الباقر بن سيدي علي زين العابدين وكان من أفقه الناس بالقرآن، وكان من أعلمهم في استنباط أسرار الله في القرآن، إنه كان يجد في قول الحق: ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ [آل عمران: 173] استنباطا رائعا، فهو يتعجب لأي إنسان أدركه الخوف من أي شيء يخيف، والإنسان لا يخاف إلا أمرا ينقض عليه رتابة راحته، ويقلقه ويهدده في سلامه وأمنه واطمئنانه، ويكون لهذا الخوف مصدر معلوم، فإذا ما تعرض المؤمن لمثل هذا الخوف فعليه أن يتذكر قول الحق: ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ [آل عمران: 173] لأنها قضية نفعت الجيش كله في معركته مع الكفار، فحين يأخذ الفرد هذه الجرعة فهو يستعيد رباطة الجأش.
واشتداد القلب فلا يفر عند الفزع. وينبهنا سيدنا جعفر الصادق إلى هذه القضية لنفزع إليها عند كل ما يخيفنا فيقول: عجبت لمن خاف ولم يفزع إلى قول الله: ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ [آل عمران: 173] إنه بنظرته الإيمانية يتعجب لإنسان أدركه الخوف ثم لا يفزع إلى هذا القول الكريم ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ [آل عمران: 173]، ثم يستنبط بإشراقاته سر هذا فيقول: لأني سمعت الله بعقبها يقول: ﴿ فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء ﴾ [آل عمران: 174] وانظروا إلى قول سيدنا جعفر الصادق: " فإني سمعت الله بعقبها " هو قرأ بنفسية المؤمن الصادق، فالمؤمن حين يقرأ كلام الله إنما يستحضر أنه يسمع الله يتكلم إنه يقول: فإني سمعت الله بعقبها يقول: ﴿ فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء ﴾ [آل عمران: 174] ولذلك فالحق يقول:
وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون
[الأعراف: 204]. فأنت حين تستمع إلى القرآن فالله هو الذي يتكلم، ومن العيب أن يتكلم ربك في أذنك ثم تشغل عنه وهو ربك، إذن فعلاج الخوف هو أن تقول من قلبك: ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ [آل عمران: 173] وأن تقولها بحقها، فإن قلتها بحقها كفاك الله شر ذلك الخوف، لأن الله يقول بعد ﴿ وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ [آل عمران: 173]: ﴿ فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء ﴾ [آل عمران: 174] انظر إلى النعمة والفضل، إنهما من الله، وقد تصيبك النعمة والفضل ولكن تقدر ذلك في أخريات الأمور، فأوضح الله أن النعمة زادت في أنها غنيمة باردة، ولم يحدث فيها أن مسنا سوء، إن ذلك هو قمة العطاء ورأسه وسنامه، فإذا قدرته في أخريات الأمور فقد أخطأت التقدير ﴿ فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء ﴾ [آل عمران: 174] ونتيجة لتلك التجربة النافعة هي أن " اتبعوا رضوان الله " ، وقد نجحت التجربة مع المؤمنين. ويقول الإمام جعفر الصادق ليكمل العلاج لجوانب النفس البشرية، ويصف الدواء فالنفس البشرية يفزعها ويقلقها ويجعلها مضطربة أن تخاف شرا يقع عليها، وعلاج هذا: ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ [آل عمران: 173]، ويضيف: وعجبت لمن اغتم ولم يفزع إلى قول الحق سبحانه: